محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
70
الآداب الشرعية والمنح المرعية
التوبة تجب ما قبلها فلا نسلم أن القادر على أداء الحق تاب إذا لم يؤده ، ولأن من المعلوم المستقر في الشريعة أنه لو أدعى عليه أنه غصب منه كذا فأقر به ألزم بأدائه وأنه لو أجاب : تبت من ذلك فلا يلزمني ، أنه لا يقبل منه بلا شك وأنه لو قبل ذلك منه لتعطلت الأحكام وبطلت الحقوق ، ولأن غايته أنه لا ذنب له ، ومن أخذه بسبب مباح لا يمنع من طلبه به وإلزامه به إجماعا فهذا أولى لظلمه ، وإذا كانت توبة القاتل لا تمنع القود إجماعا على ما ذكره الشيخ تقي الدين فالمال أولى ، وإن احتج به في حق العاجز المفرط في الأداء فالمراد به غير المال بدليل ما سبق وما يأتي ولكن يدل للقول فيمن أخذ مالا بغير سبب محرم ما سبق من خبر ميمونة وخبر أبي هريرة وهما خاصان أخص مما يدل على خلافهما فيجب تقديمهما وإن خالفهما ظاهر حمل على غير مدلولهما كذلك لأن فيه توفيقا وجمعا ، وما روى الإمام أحمد رضي اللّه عنه في المسند قال : حدثنا يزيد أنبأنا صدقة بن موسى عن أبي عمران الجوني عن قيس بن زيد عن قاضي المصرين عن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي اللّه عنهم قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : " إن اللّه تعالى ليدعو بصاحب الدين يوم القيامة فيقيمه بين يديه فيقول أي عبدي فيم أذهبت مال الناس ؟ فيقول أي رب قد علمت أني لم أفسده إنما ذهب في غرق أو حرق أو سرقة أو وضيعة ، فيدعو اللّه عز وجل بشيء فيضعه في ميزانه فترجح حسناته " " 1 " . حدثنا عبد الصمد ثنا صدقة ثنا أبو عمر أن حدثني قيس بن زيد عن قاضي المصرين عن عبد الرحمن بن أبي بكر أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : " يدعو اللّه عز وجل بصاحب الدين يوم القيامة حتى يوقف بين يديه فيقال يا ابن آدم فيم أخذت هذا الدين ؟ وفيم ضيعت حقوق الناس ؟ فيقول يا رب إنك تعلم أني أخذته فلم آكل ولم أشرب ولم ألبس ولكن أتى على هكذا ، إما حرق ، وإما سرق ، وإما وضيعة ، فيقول اللّه عز وجل صدق عبدي أنا أحق من قضى عنك اليوم ، فيدعو اللّه عز وجل بشيء فيضعه في كفة ميزانه فترجح حسناته على سيئاته فيدخله الجنة بفضل رحمته " " 2 " ولو عوقب وعذب من هذه حاله لكلف بالمحال لعدم تفريطه وتعديه وقد قال اللّه تعالى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [ سورة البقرة : الآية 286 ] ولأنه غير آثم لما تقدم وكل من كان غير آثم كان غير معذب بالإجماع ولم يصح في الضمان غير قصة أبي قتادة ولا يلزم منها تعدد الشخص وهي قضية في عين محتملة وسبق في القصة قوله عليه السّلام لأبي قتادة " الآن بردت عليه جلدته " ووجه الأول - وهو أنه قد يعاقب وقد يعوض اللّه عز وجل المظلوم - ما تقدم من الخبر وحديث الدواوين " ديوان لا يغفر اللّه منه شيئا وهو مظالم العباد " " 3 " رواه أحمد
--> ( 1 ) أخرجه أحمد ( 1 / 197 ، 198 ) . قال الهيثمي في المجمع ( 4 / 133 ) : فيه صدقة الدقيقي وثقه مسلم بن إبراهيم وضعفه جماعة . ( 2 ) انظر الحديث السابق . ( 3 ) إسناده ضعيف . أخرجه أحمد ( 6 / 240 ) ، وفيه يزيد بن بابنوس مقبول ، وصدقة بن موسى ضعفه -