محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
67
الآداب الشرعية والمنح المرعية
قال أحمد في رواية أبي طالب في تعليم القرآن : التعليم أحب إلي من أن يتوكل لهؤلاء السلاطين ، ومن أن يتوكل لرجل من عامة الناس في ضيعة ، ومن أن يستدين ويتجر لعله لا يقدر على الوفاء فيلقى اللّه عن رجل بأمانات الناس وقال عبد اللّه سألت أبي عن رجل استدان دينا على أن يؤديه فتلف المال من يده وأصابه بعض حوادث الدنيا فصار معدما لا شيء له فهل يرجى له بذلك عند اللّه عز وجل خلاص من دينه ، إن مات على عدمه ولم يقض دينه ؟ فقال : إن هذا عندي أسهل من الذي أختان ، وإن مات على عدمه فهذا واجب عليه ، فظاهر هذا أنه يعاقب على ذلك أو يحتمل العقاب والترك واللّه تعالى يعوض المظلوم إن شاء اللّه ، وقد ورد في الخبر أن اللّه تعالى يعوض عن بعض الناس بعضا . ونص الإمام أحمد رضي اللّه عنه والأصحاب رحمهم اللّه على صحة ضمان دين الميت المفلس ، ولم يفرقوا بين كون سببه محرما أو لا ، وبين التائب وغيره لامتناع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من الصلاة عمن عليه ثلاثة دنانير ولم يخلف وفاء حتى ضمنهما أبو قتادة رواه البخاري " 1 " ، وامتنع من الصلاة على من عليه ديناران حتى ضمنهما أبو قتادة رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والترمذي وصححه . وروى الدارقطني وغيره أن عليا رضي اللّه عنه ضمنها فالظاهر أنها وقائع ، والظاهر من الصحابة رضي اللّه عنهم قصد الخير ونية الأداء وأنهم عجزوا عن ذلك ، وقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لأبي قتادة " الآن بردت عليه جلده " " 2 " لما وفى عنه . رواه أحمد وأبو داود والطيالسي وأبو بكر بن أبي شيبة وجماعة وإسناده حسن ورجاله ثقات وفيهم عبد اللّه بن محمد بن عقيل عن جابر وحديثه حسن ، وعندنا يجتمع القطع والضمان على السارق وذكره في المغني إجماعا مع بقاء العين مع أن الحد كفارة لإثم ذلك الذنب لقوله عليه السّلام " ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة " " 3 " متفق عليه من حديث عبادة ، ومع أن الإمام أحمد والأصحاب رحمهم اللّه لم يفرقوا بين التائب وغيره ، ولهذا لما كانت التوبة مؤثرة في إسقاط حد ذلك ذكروها ولما لم تؤثر لم يذكروها . قال ابن عقيل في المجلد التاسع عشر من الفنون في حل الدين بالموت : وأنا أقول : المطالبة في الآخرة فرع على مطالبة الدنيا وكل حق لم يثبت في الدنيا فلا ثبات له في الآخرة ، ومن خلف مالا وورثه فكأنه استناب في القضاء ، والدين كان مؤجلا فالنائب عنه يقضي مؤجلا ، والذمة عندي باقية ، ولا أقول الحق متعلق بالأعيان ، ولهذا تصح البراءة منه ويصح
--> ( 1 ) البخاري ( 2289 ) . ( 2 ) أحمد ( 3 / 330 ) والطيالسي ( 1673 ) والحاكم ( 2 / 57 - 58 ) وغيرهم . وانظر مجمع الزوائد ( 3 / 39 ) والإرواء ( 5 / 249 ) . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 18 ) ومسلم ( الحدود / 1709 ) .