محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
64
الآداب الشرعية والمنح المرعية
قال في شرح مسلم : قال العلماء : في هذا استحباب مفارقة التائب المواضع التي أصاب فيها الذنوب والإخوان المساعدين له على ذلك ومقاطعتهم ما داموا على حالهم ، وأن يستبدلهم بصحبته أهل الخير وتتأكد بذلك توبته فإن اقتص من القاتل أو عفا عنه فهل يطالبه المقتول في الآخرة ؟ على وجهين ، وتوبة المرابي بأخذ رأس ماله ، ويرد ربحه إن أخذه . وفي الحديث الصحيح المشهور حديث صاحب التسعة : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : " أما تريد أن تبوء بإثمك وإثم صاحبك ؟ " " 1 " قال القاضي عياض : وفي هذا الحديث أن قتل القصاص لا يكفر ذنب القاتل بالكلية ، وإن كفر ما بينه وبين اللّه عز وجل كما جاء في الحديث الآخر فهو كفارة له ويبقى حق المقتول . قال أبو داود في باب ما يرجى في القتل ، حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا كثير بن أبي هشام حدثنا المسعودي عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : " أمتي هذه أمة مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة ، عذابها في الدنيا الفتن والزلازل والقتل " " 2 " إسناد جيد . فصل في العفو عمن ظلم وجعله في حلّ قال صالح : دخلت على أبي يوما فقلت بلغني أن رجلا جاء إلى فضل الأنماطي فقال له : اجعلني في حل إذا لم أقم بنصرتك ، فقال فضل لا جعلت أحدا في حل ، فتبسم أبي وسكت ، فلما كان بعد أيام قال لي : مررت بهذه الآية : فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [ سورة الشورى : الآية 40 ] . فنظرت في تفسيرها فإذا هو ما حدثني به هاشم بن القاسم حدثني المبارك حدثني من سمع الحسن يقول : إذا جثت الأمم بين يدي رب العالمين يوم القيامة ونودوا : ليقم من أجره على اللّه عز وجل ، فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا . قال أبي : فجعلت الميت في حل من ضربه إياي ثم جعل يقول : وما على رجل أن لا يعذب اللّه تعالى بسببه أحدا ؟ وقال في رواية حنبل وهو يداوي : اللهم لا تؤاخذهم : فلما بريء ذكره حنبل له فقال : نعم أحببت أن ألقى اللّه تعالى وليس بيني وبين قرابة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم شيء ، وقد جعلته في حل إلا ابن أبي دؤاد ومن كان مثله فإني
--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( القسامة / 32 ) . ( 2 ) أخرجه أحمد ( 4 / 410 ، 418 ) وأبو داود ( 4278 ) ، وصححه الحاكم ( 4 / 444 ) . وقد أعلن الشيخ الألباني باختلاط المسعودي ، ثم صحح الحديث بطرق له أخرى في الصحيحة ( 1959 ) .