محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
61
الآداب الشرعية والمنح المرعية
في إعلامه فائدة إلا تمكينه من استيفاء حقه كما لو علم فإن له أن يعاقب إما بالمثل إن أمكن أو بالتعزير أو بالحد وإذا كان في الإيفاء من الجنس مفسدة عدل إلى غير الجنس كما في القذف . وفي الفدية وفي الجراح إذا خيف الحيف ، وهنا قد لا يكون حيف إلا في غير الجنس أما العقوبة أو الأخذ من الحسنات كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : " من كانت عنده مظلمة لأخيه في دم أو مال أو عرض فليأته فليستحله قبل أن يأتي يوم ليس فيه درهم ولا دينار إلا الحسنات والسيئات فإن كان له حسنات أخذ من حسنات صاحبه فأعطيها ، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئاته فألقيت على صاحبه ثم يلقى في النار " " 1 " . وإذا كان فيعطيه في الدنيا حسنة بدل الحسنة فإن الحسنات يذهبن السيئات فالدعاء له والاستغفار إحسان إليه وكذلك الثناء عليه بدل الذم له وهذا عام فيمن طعن على شخص أو لعنه أو تكلم بما يؤذيه أمرا أو خبرا بطريق الإفتاء أو التحضيض أو غير ذلك فإن أعمال اللسان أعظم من أعمال اليد حيا أو ميتا ، حتى لو كان ذلك بتأويل أو شبهة ثم بان له الخطأ فإن كفارة ذلك أن يقابل الإساءة إليه بالإحسان بالشهادة له بما فيه من الخير والشفاعة له بالدعاء فيكون الثناء والدعاء بدل الطعن واللعن ويدخل في هذا أنواع الطعن واللعن الجاري بتأويل سائغ أو غير سائغ كالتكفير والتفسيق ونحو ذلك مما يقع بين المتكلمين في أصول الدين وفروعه كما يقع بين أصناف الفقهاء والصوفية وأهل الحديث وغيرهم من أنواع أهل العلم والنهي من كلام بعضهم في بعض تارة بتأويل مجرد ، وتارة بتأويل مشوب بهوى . وتارة بهوى محض . بل تخاصم هذا الضرب بالكلام والكتب كتخاصم غيرهم بالأيدي والسلاح وغيره ، وهو شبيه بقتال أهل العدل والبغي ، والطائفتين الباغيتين ، العادلتين من وجه ، والباغيتين من وجه . وهذا باب نافع جدا والحاجة إليه ماسة جدا فعلى هذا لو سأل المقذوف والمسبوب لقاذفه هل فعل أم لا ؟ لم يجب عليه الاعتراف على الصحيح من الروايتين كما تقدم إذ توبته صحت في حق اللّه تعالى بالندم وفي حق العبد بالإحسان إليه بالاستغفار ونحوه ، وهل يجوز الاعتراف ، أو يستحب ، أو يكره ، أو يحرم ؟ الأشبه أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال فقد يكون الاعتراف أصفى للقلوب كما يجري بين الأوداء من ذوي الأخلاق الكريمة ، ولما في ذلك من صدق المتكلم ، وقد تكون فيه مفسدة العدوان على الناس أو ركوب كبيرة فلا يجوز الاعتراف ، قال وإذا لم يجب عليه الإقرار فليس له أن يكذب بالجحود الصريح لأن الكذب الصريح محرم والمباح لإصلاح ذات البين هل هو التعريض أو الصريح ؟ فيه خلاف ، فمن جوز الصريح هناك فهل يجوزه هنا ؟ فيه نظر ولكن يعرض فإن المعاريض مندوحة عن الكذب وهذا هو الذي يروى عن حذيفة بن اليمان أنه بلغ عثمان رضي اللّه عنه
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 2449 ، 6534 ) .