محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
49
الآداب الشرعية والمنح المرعية
قال في شرح مسلم وغيره فيه مداراة من يتقى فحشه ولم يمدحه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولا أثنى عليه في وجهه ولا في قفاه إنما تألفه بشيء من الدنيا مع لين الكلام ، وقد ذكر ابن عبد البر كلام أبي الدرداء في فضل حسن الخلق . وفي الصحيحين لما تخلف كعب بن مالك عن غزوة تبوك كان يجيء ويسلم على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فتبسم تبسم المغضب . قال بعض أصحابنا في كتاب الهدي ومنها أن التبسم يكون عن الغضب كما يكون عن التعجب والسرور فإن كلا منهما يوجب انبساط دم القلب وثوراته ، ولهذا تظهر حمرة الوجه لسرعة فوران الدم فيه فينشأ عن ذلك السرور والغضب تعجب يتبعه ضحك أو تبسم فلا يغتر المغتر بضحك القادر عليه في وجهه ولا سيما عند المعتبة كما قيل : إذا رأيت نيوب الليث بارزة * فلا تظنن أن الليث يبتسم وقيل لابن عقيل في فنونه : اسمع وصية اللّه عز وجل يقول : ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [ سورة فصلت : الآية 34 ] . وأسمع الناس يعدون من يظهر خلاف ما يبطن منافقا . فكيف لي بطاعة اللّه تعالى والتخلص من النفاق ؟ فقال ابن عقيل : النفاق هو إظهار الجميل وإبطال القبيح ، وإضمار الشر مع إظهار الخير لإيقاع الشر ، والذي تضمنته الآية إظهار الحسن في مقابلة القبيح لاستدعاء الحسن . فخرج من هذه الجملة أن انفاق إبطال الشر وإظهار الخير لإيقاع الشر المضمر ، ومن أظهر الجميل والحسن في مقابلة القبيح ليزول الشر فليس بمنافق لكنه يستصلح ، ألا تسمع إلى قوله سبحانه وتعالى : فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [ سورة فصلت : الآية 34 ] . فهذا اكتساب استمالة ، ودفع عداوة ، وإطفاء لنيران الحقائد ، واستنماء الود وإصلاح العقائد ، فهذا طب المودات واكتساب الرجال . وقال أبو داود ( باب في العصبية ) ثم روى بإسناد جيد إلى سماك عن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن مسعود عن أبيه موقوفا ومرفوعا قال : " من نصر قومه على غير الحق فهو كالبعير الذي ردي فهو ينزع بذنبه " " 1 " حديث حسن ويقال ردي وتردي لغتان كأنه تفعل من الردى ( الهلاك ) أراد أنه وقع في الإثم وهلك كالبعير إذا تردى في البئر وأريد أن ينزع بذنبه فلا يقدر على خلاصه . وعن بنت واثلة سمعت أباها يقول قلت يا رسول اللّه ما العصبية ؟ قال : " أن تعين قومك على الظلم " " 2 " حديث حسن رواه أبو داود ، ولأحمد وابن ماجة قلت يا رسول اللّه أمن
--> ( 1 ) أبو داود ( 5117 ) . ( 2 ) أبو داود ( 5119 ) وضعفه الشيخ الألباني في غاية المرام ( 305 ) .