محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

42

الآداب الشرعية والمنح المرعية

يصبر عنه ، وقال الأصمعي : قيل لكذاب : ما يحملك على الكذب ؟ فقال : أما إنك لو تغرغرت ماءه ما نسيت حلاوته ، وقيل لكذاب : هل صدقت قط ؟ قال : أكره أن أقول لا فأصدق . ذكر ابن عبد البر الخبر المروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : " الحق ثقيل فمن قصر عنه عجز ، ومن جاوزه ظلم ، ومن انتهى إليه فقد اكتفى " " 1 " ويروي هذا لمجاشع بن نهشل . وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : " الحق ثقيل ، رحم اللّه عمر بن الخطاب تركه الحق ليس له صديق " " 2 " . لما استخلف أبو بكر عمر رضي اللّه عنهما قال : لمعيقيب الدوسي ما يقول الناس في استخلافي عمر ؟ قال : كرهه قوم ورضيه قوم آخرون ، قال فالذين كرهوه أكثر أم الين رضوه ؟ قال : بل الذين كرهوه . قال : إن الحق يبدو كرها وله تكون العاقبة وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى [ سورة طه : الآية 132 ] . وقال : الحكمة تدعو إلى الحق ، والجهل يدعو إلى السفه ، كما أن الحجة تدعو إلى المذهب الصحيح ، والتشبيه يدعو إلى المذهب الباطل . وقال بعض الحكماء : من جهلك بالحق والباطل أن تريد إقامة الباطل بإبطال الحق ، وقال بعض الحكماء : لا يعد الرجل عاقلا حتى يستكمل ثلاثا إعطاء الحق من نفسه في حال الرضا والغضب ، وأن يرضى للناس ما يرضى لنفسه ، وأن لا يرى له زلة عند صحو ، وقال أبو العتاهية : ومن ضاق عنه الحقّ ضاقت مذاهبه لما احتضر أبو بكر أرسل إلى عمر رضي اللّه عنهما فقال : إن وليتك على الناس فاتق اللّه والزم الحق فإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا وثقله عليهم ، وحق لميزان إذا وضع فيه الحق غدا أن يكون ثقيلا ، وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في الدنيا وخفته عليهم ، وحق لميزان وضع فيه الباطل أن يكون خفيفا ، واعلم أن للّه تعالى عملا بالليل لا يقبله بالنهار ، وعملا بالنهار لا يقبله بالليل ، وأنه لا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة ، وأن اللّه عز وجل ذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم وتجاوز عن سيئتهم ، فإذا ذكرتهم قلت إني لخائف أن لا ألحق بهم ، وأن للّه تعالى ذكر أهل النار بأسوأ أعمالهم ورد عليهم حسنها ، فإذا ذكرتهم قلت إني لخائف أن أكون معهم ، وأن اللّه عز وجل ذكر آية الرحمة مع آية العذاب ليكون المؤمن راهبا راغبا ، لا يتمنى على اللّه ، ولا

--> ( 1 ) رواه ابن عبد البر ( بهجة المجالس / 581 ) . ( 2 ) رواه ابن عبد البر ( بهجة المجالس / 581 ) .