محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
39
الآداب الشرعية والمنح المرعية
عجبت لإدلال العيّ بنفسه * وصمت الذي قد كان بالقول أعلما وفي الصمت ستر للعييّ وإنما * صحيفة لبّ المرء أن يتكلما وكان مالك بن أنس يعيب كثرة الكلام ويقول : لا يوجد إلا في النساء أو الضعفاء ، وذم أعرابي رجلا فقال : هو ممن ينأى المجلس أعيي ما يكون عند جلسائه وأبلغ ما يكون عند نفسه ، وقال المفضل الضبي لأعرابي : ما البلاغة ؟ الإيجاز في غير عجز ، والإطناب في غير خطل ، وقال الأحنف : البلاغة الإيجاز في استحكام الحجة والوقوف عندما يكتفى به . وقال خالد بن صفوان لرجل كثير كلامه : إن البلاغة ليست بكثرة الكلام ، ولا بخفة اللسان ، ولا بكثرة الهذيان ، ولكنه إصابة المعنى والقصد إلى الحجة ، وسئل عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة ما البلاغة ؟ قال : القصد إلى عين الحجة بقليل اللفظ ، وقيل لبعض اليونانية ما البلاغة ؟ قال : تصحيح الأقسام ، واختيار الكلام ، وقيل لرجل من الروم ما البلاغة ؟ فقال : حسن الاقتصاد عند البديهة ، وإيضاح الدلالة ، والبصر بالحجة ، وانتهاز موضع الفرصة ، وفي الخبر المأثور " الخير كله في ثلاث : السكوت والكلام والنظر ، فطوبى لمن كان سكوته فكرة ، وكلامه حكمة ، ونظره عبرة " . وقال ابن القاسم : سمعت مالكا يقول : لا خير في كثرة الكلام واعتبر ذلك بالنساء والصبيان . أعمالهم أبدا يتكلمون ولا يصمتون . وقال الشاعر : وإنّ لسان المرء ما لم يكن له * حصاة على عوراته لدليل وقال الحسن بن هانيء : إنما العاقل من * ألجم فاه بلجام مت بداء الصمت خي * ر لك من داء الكلام وقال آخر : يموت الفتى من عثرة بلسانه * وليس يموت المرء من عثرة الرّجل فعثرته من فيه ترمي برأسه * وعثرته بالرّجل تبرا على مهل وذكر ابن عبد البر ما أنشده بعضهم : سأرفض ما يخاف عليّ منه * وأترك ما هويت لما خشيت لسان المرء ينبئ عن حجاه * وعيّ المرء يستره السكوت قد سبق الكلام في الوعد والصدق والكذب ونحو ذلك والأخبار في ذلك وقد أثنى اللّه عز وجل على إسماعيل عليه السّلام فقال : إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ [ سورة مريم : الآية 54 ] .