محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

34

الآداب الشرعية والمنح المرعية

كلام أحمد السابق وحكايته قول ابن عباس إنه يسلم منه بالاستثناء مطلقا ولعل مراده كالقول الأول ، أما من حلف وحنث فالكفارة كالواجب وهي ماحية لحكم ما وقع ، ولهذا قال الأصحاب وغيرهم : اليمين على المباح ؛ الإقامة عليها وحلها مباح وإن اليمين لا تغير الشيء عن صفته ولم يذكروا إذا حنث سوى الكفارة وإنها زاجرة ماحية وهذا ظاهر الآدلة الشرعية وظاهر كلام أحمد السابق وحكايته لقول ابن عباس يدل على أنه يأتي بالاستثناء ليسلم من الكذب وأن الكفارة لا تزيله ولعل مراده الخبر لا القسم وسبق كلام ابن جرير ، وروى أبو داود في باب الكذب عن حفص بن عمر هو النميري عن شعبة ، وعن محمد بن الحسين هو ابن اشكاب ثنا علي بن حفص ثنا شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم قال ابن حصين عن أبي هريرة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : " كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع " " 1 " ولم يذكر حفص أبا هريرة إسناده جيد وحفص وابن اشكاب ثبتان ورواه مسلم عن أبي هريرة مرفوعا " كفى بالمرء إثما " " 2 " وذكره ولمسلم أيضا " بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع " " 3 " ففي هذين الخبرين أن من فعل ذلك وقع في الكذب المحرم فلا يفعل ليجتنب المحرم فيكون من فعل ذلك عمدا قد تعمد كذبا . وقال في شرح صحيح مسلم : معناه الزجر عن التحديث بكل ما سمع فإنه يسمع في العادة الصدق والكذب فإذا حدث بكل ما سمع فقد كذب لإخباره بما لم يكن ، وقد تقدم أن مذهب أهل السنة أن الكذب الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو ولا يشترط فيه التعمد لكن التعمد شرط لكونه إثما انتهى كلامه فلعل ظاهره لا يحرم لعدم تعمد الكذب ولم يذكر رواية أبي داود المذكورة ، قلت لأبي عبد اللّه يجيئونني بالطعام فإن قلت لا آكله ثم أكلت ؟ قال : هذا كذب لا ينبغي أن يفعل ، وقال الأثرم : سمعت أبا عبد اللّه سئل عن الرجل يأتيه الأمي الذي لا يكتب فيقول : أكتب كتابا فيملي عليه شيئا يعلم أنه كذب ليكتب له قال : لا فلا يكتب بالكذب . فصل في الزعم وكون زعموا مطية الكذب " 4 " قال ابن الجوزي في تفسيره : كان ابن عمر يقول : زعموا مطية الكذب وكان مجاهد

--> ( 1 ) أبو داود ( 4992 ) . ( 2 ) مسلم ( 5 ) في المقدمة . ( 3 ) مسلم عقب الحديث السابق موقوفا عن عمرو ابن مسعود . ( 4 ) معناه أن الرجل إذا أراد المسير إلى بلد والظعن في حاجة ركب مطية ، وسار حتى يقضي أربه ، فشبه ما يقدمه المتكلم أمام كلامه ويتوصل به إلى غرضه - من قوله زعموا كذا وكذا - بالمطية التي يتوصل بها إلى -