محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

303

الآداب الشرعية والمنح المرعية

فصل في القيام للقادم وأدب السنة ومراعاة العادة فيه ويكره القيام لغير سلطان وعالم وولد ذكره السامري وقيل سلطان عادل وزاد في الرعاية الكبرى ولغير ذي دين وورع وكريم قوم وسن في الإسلام ، وقال ابن تميم : لا يستحب القيام إلا للإمام العادل والوالدين وأهل العلم والدين والورع والكرم والنسب وهو معنى كلامه في المجرد والفصول ، وكذا ذكر الشيخ عبد القادر وقاسه على المهاداة لهم ، قال ويكره لأهل المعاصي والفجور وهذا كله معنى كلام أبي بكر ، والذي يقام إليه ينبغي له أن لا يستكبر نفسه إليه ولا يطلبه ، والنهي قد وقع على السرور بذلك الحال فإذا لم يسر بالقيام إليه وقاموا له فغير ممنوع منه ولمن قام إليه لإعظامه الرجل الكبير على ما رسمناه ، وكذا قال بعض أصحابنا وغيرهم في النهي عن ذلك : إنما هو تحذير من الفتنة والعجب والخيلاء قالوا : مع أن ابن قتيبة قد قال : إنما معناه ما يفعله الأعاجم والأمراء في زماننا هذا أنه يجلس والناس قيام بين يديه تكبرا وعجبا ، قال صاحب النظم : وكذا قال ابن مسعود وغيره فيمن يمشي الناس خلفه إكراما إنها ذلة للتابع فتنة للمتبوع ويأتي ذلك بعد فصول آداب الطعام وكلام أبي المعالي في فصول المصافحة . قال الشيخ تقي الدين : فأبو بكر والقاضي ومن تبعهما فرقوا بين القيام لأهل الدين وغيرهم فاستحبوه لطائفة وكرهوه لأخرى ، والتفريق في مثل هذا بالصفات فيه نظر ، قال : وأما أحمد فمنع منه مطلقا لغير الوالدين فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سيد الأئمة ولم يكونوا يقومون له فاستحباب ذلك للإمام العادل مطلقا خطأ وقصة ابن أبي ذئب مع المنصور تقتضي ذلك وما أراد أبو عبد اللّه واللّه أعلم إلا لغير القادم من سفر فإنه قد نص على أن القادم من السفر إذا أتاه إخوانه فقام إليهم وعانقهم فلا بأس به ، وحديث سعد يخرج على هذا وسائر الأحاديث فإن القادم يتلقى لكن هذا قام فعانقهم ، والمعانقة لا تكون إلا بالقيام ، وأما الحاضر في المصر الذي قد طالت غيبته والذي ليس من عادته المجيء إليه فمحل نظر . فأما الحاضر الذي يتكرر مجيئه في الأيام كإمام المسجد ، أو السلطان في مجلسه ، أو العالم في مقعده فاستحباب القيام له خطأ بل المنصوص عن أبي عبد اللّه هو الصواب ، هذا كلامه . وقال أيضا : لا يجوز أن يكون قاعدا وهم قيام قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : " من سره أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار " " 1 " . وفي الصحيح " 2 " أنهم لما قاموا خلفه في الصلاة قال : " لا تعظموني كما يعظم الأعاجم

--> ( 1 ) رواه الترمذي ( 2755 ) وابن أبي حاتم في " العلل " ( 2531 ) وابن أبي شيبة ( 8 / 398 ) والطبراني ( 19 / 351 ، 352 ) . ورواه أبو داود ( 5229 ) وغيره بنحوه وصححه الشيخ الألباني فذكره في الصحيحة ( 357 ) فانظره . ( 2 ) رواه مسلم ( الصلاة / 413 ) .