محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

293

الآداب الشرعية والمنح المرعية

فصل في سنة الاستئذان في الدخول على الناس يسن أن يستأذن في الدخول على غيره ثلاثا فقط قدمه في الرعاية ويجوز ثلاثا وهو ظاهر كلام جماعة وقيل يجب ذلك وهو الذي ذكره ابن أبي موسى والسامري وابن تميم ولا وجه لحكاية الخلاف فيجب في الجملة على غير زوجة وأمة ثم قال الأصحاب على القريب والبعيد . وقد روى سعيد حدثنا ابن المبارك عن عاصم الأحول عن أبي قلابة عن أبي موسى الأشعري قال : إذا دخل أحدكم على والدته فليستأذن ، ثم روى عن ابن عباس وابن مسعود نحو ذلك ، وروى عن سفيان عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رجلا سأل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أستأذن على أمي ؟ قال : " نعم " فأمر أن يستأذن عليها ، مرسل جيد وهو في الموطأ ، وصح عن ابن عباس قال : لم يؤمر بها أكثر الناس ( آية الأذن ) وإني لآمر جاريتي هذه تستأذن علي وصح عنه أيضا وقيل : كيف ترى في هذه الآية التي أمرنا فيها بما أمرنا ولا يعمل بها أحد ؟ لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ - إلى : وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [ سورة النور : الآية 58 ] . قال : إن اللّه حكيم رؤوف بالمؤمنين يحب التستر وكان الناس ليس لبيوتهم ستور ولا حجال فربما دخل الخادم أو الولد أو يتيمة الرجل أو الرجل على أهله فأمر اللّه تعالى بالاستئذان في تلك العورات فجاءهم اللّه بالستور والخير فلم أر أحدا يعمل بذلك بعد . الحجال جمع حجلة بالتحريك بيت كالقبة يستر الثياب وله أزرار كبار . قال ابن الجوزي أكثر المفسرين على أن هذه الآية محكمة وأنه أصح من قول من قال هي منسوخة بقوله تعالى : وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا [ سورة النور : الآية 59 ] . لأن البالغ يستأذن في كل وقت ، والطفل والمملوك يستأذن في العورات الثلاث . وذكر ابن الجوزي أيضا أن البيوت الخالية هل دخلت في آية الأمر بالاستئذان ثم نسخ بقوله تعالى : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ [ سورة النور : الآية 29 ] . أم لم تدخل لأن الإذن لا يتصور من غير آذن ، فإذا بطل الاستئذان لم تكن البيوت الخالية داخلة في الأولى ؟ على قولين وإن الثاني أصح . وقال ابن الجوزي أيضا لا يجوز أن تدخل بيت غيرك إلا بالاستئذان لهذه الآية يعني : لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها [ سورة النور : الآية 27 ] ( ومعنى تستأنسوا ) . تستأذنوا وفي الآية تقديم وتأخير .