محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
265
الآداب الشرعية والمنح المرعية
الإكثار أبلغ كان الإيجاز تقصيرا ، وإذا كان الإيجاز كافيا كان الإكثار عيا . ودخل عمر بن سعد على معاوية بعد موت أبيه فقال له : يا عمر إلى من أوصى بك أبوك ؟ فقال : أوصى إلي ولم يوص بي . وقيل لعيسى بن عاصم ما البلاغة قال : الإيجاز . وقيل للأصمعي ما حد الاختصار ؟ قال : حذف الفضول وتقريب البعيد وسئل رجل عن البلاغة ؟ فقال : سهولة اللفظ وحسن البديهة . وقال آخر : أحسن القول أوجزه . وأهنأ المعروف أوحاه وقال معن بن زائدة لرجل من بني شيبان ما هذه الغيبة المنساة ؟ قال : أبقى اللّه الأمير في نعم زائدة ، وكرامة دائمة ، ما غاب أيها الأمير عن العين من ذكره القلب ، وما زال شوقي إلى الأمير شديدا ، وهو دون ما يجب له علي ، وذكري له كثير وهو دون قدره عندي ، ولكن جفوة الحجاب ، وقلة بشر الغلمان ، يمنعاني من الإتيان فأمر بتسهيل أمره وأحسن مثواه . وقال أعرابي لعمر بن عبد العزيز ساقتني إليك الحاجة وانتهيت في الغاية واللّه مسائلك عن مقامي هذا . فبكى عمر وقال : ما سمعت كلاما أبلغ من هذا ولا وعظا أوجع منه . قال أبو جعفر النحاس : البلاغة في المعاني ألطف من البلاغة في الألفاظ ، فيستحسن منها صحة التقسيم من ذلك قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : " يقول ابن آدم مالي وإنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو أعطيت فأمضيت " " 1 " . وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : " إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى " " 2 " . ومن حسن البلاغة في المعاني صحة المقال يؤتي في الموافق بموافقة ، وفي المضاد بمضاد ، كقول بعض الكتاب : فإن أهل الرأي والنصح لا يساويهم ذوو الأفن والغش وليس من جمع الكفاية الأمانة ، كمن أضاف إلى العجز الخيانة . قال بعض الكتاب : إذا تأملت هذه المقالة وجدت غاية المعادلة لأنه جعل بإزاء الرأي الأفن ، والأفن سوء الرأي ، وبإزاء النصح الغش ، وقابل العجز بالكفاية والأمانة بالخيانة . قال الجوهري في الصحاح : الأفن بالتحريك ضعف الرأي وقد أفن الرجل بالكسر وأفن فهو مأفون وآفن ، وأفنه اللّه يأفنه أفنا فهو مأفون . قال جعفر ومن هذا ما دعت به هند بنت النعمان وقد أحسن إليها فقالت : شكرتك يد نالتها خصاصة بعد ثروة ، وأغناك اللّه عن يد نالت ثروة بعد فاقة . وعن عمر أنه قال لابن عباس رضي اللّه عنهم وقد ذكر أمر الخلافة : ومن يصلح لها : فقال : يصلح لها من كان فيه لين غير مهانة ، وشدة في غير عنف . وكتب إلى أبي موسى إن أسعد الولاة من سعدت به رعيته ، وأشقاهم من شقيت به رعيته . وعن داود أنه قال للقمان
--> ( 1 ) رواه مسلم ( الزهد والرقائق / 2958 ) . والترمذي ( 2342 ) والنسائي ( 6 / 238 ) وغيرهم . ( 2 ) رواه البيهقي في " سننه " ( 3 / 19 ) من طريق أبي صالح : ثنا الليث عن ابن عجلان عن مولى لعمر بن عبد العزيز عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : " . . . فذكره " . وهذا سند ضعيف . قلت : فيه علتان كما قال الشيخ الألباني : فانظرهما في الضعيفة ( 1 / 64 ) .