محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

223

الآداب الشرعية والمنح المرعية

يذكر ابن عباس ) وذكر ابن الأثير أن المتباريين هما المتعارضان ففعلهما ليعجز أحدهما الآخر بصنيعه . وإنه إنما كرهه لما فيه من المباهاة والرياء . فهذا يدل لما ذكره ابن الجوزي في المفاخر بدعوته ، وذكر أبو داود لذلك يوافقه ، ثم هل يحرم أكل هذا الطعام أو يكره ؟ يحتمل وجهين نظرا إلى ظاهر النهي والمعنى . وذكر الشيخ تقي الدين في فتاويه إنه لا ينبغي أن يسلم على من لا يصلي ولا يجب دعوته ، انتهى كلامه ، وقطع بعض أصحابنا أنه لا تجب إجابة من يجوز هجره . وقطع جماعة منهم بأنه الذي لا تجب إجابته وحكاه في المغني عن الأصحاب ، وقال إنه لا يأمن اختلاط طعامهم بالحرام والنجاسة فعلى مقتضى هذا التعليل لا تجب إجابة مسلم في ماله شبهة ولا سيما إذا كثرت ، ولا من لا يتحرز من النجاسة ويلابسها كثيرا ، وقد سئل أحمد رضي اللّه عنه عن الرجل يدعى إلى الختان أو العرس وعنده المخنثون فيدعوه بعد ذلك بيوم أو ساعة وليس عنده أولئك ؟ فقال أرجو أن لا يأثم إن لم يجب ، وإن أجاب فأرجو أن لا يكون آثما . وقال في المغني بعد ذكره لهذا النص : فأسقط الوجوب لإسقاط الداعي حرمة نفسه باتخاذ المنكر ، ولم يمنع من الإجابة لكون المجيب لا يرى منكرا ولا يسمعه ، وقال أحمد أيضا : إنما تجب الإجابة إذا كان المكتسب طيبا ولم ير منكرا ، وهذا يؤيد ما تقدم من مقتضى كلامه في المغني ، وقال في المغني بعد ذكره لهذا النص فعلى هذا لا تجب إجابة من طعامه من مكتسب خبيث ، لأن اتخاذه منكر والأكل منه منكر فهو أولى بالامتناع وإن حضر لم يأكل . وقال صالح لأبيه : ما تقول في رجل شرب الخمر يدعوني إلى غذائه وعشائه أجيبه وأجالسه ؟ قال : تأمره وتنهاه فإن كان كسبه كسبا طيبا وعصى اللّه في بعض أمره يدعو لا يجاب وقال المروذي : قيل لأبي عبد اللّه وأنا شاهد : الرجل يكون في القرية أو الرستاق وسئل عن الشيء من العلم فأهدي له الثمار وربما استعان بقوم يعملون في أرضه فقال : إن كان يكافىء وإلا فلا يقبل ، وقال إسحاق بن إبراهيم : سئل أبو عبد اللّه عن الرجل يهدي إليه الشيء أفترى أن يقبل ؟ فقال : قد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقبل الهدية ويثيب " 1 " ، أرى له إن هو قبل أن يثيب . وذكر إسحاق في الأدب من مسائله أن إنسانا أهدى لأبي عبد اللّه مرة شيئا ما يساوي ثلاثة دراهم ، قال : فأعطاني دينارا . فقال : اذهب فاشتر بعشرة دراهم سكرا وبتسعة دراهم تمرا برنيا واذهب به إليه ، ففعلت ، فقال اذهب به إليه بالليل . ولأحمد " 2 " وغيره كلام كثير في قبول

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 2585 ) . ( 2 ) قلت : وقد حاد بلفظ " كان يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة " رواه أحمد ( 2 / 359 ، 4 / 189 ، 5 / 437 ) وهو من حديث أبي هريرة وعبد اللّه بن بسر وسلمان ، وحديث أبي هريرة رواه أبو داود ( 4512 ) وصححه الشيخ الألباني .