محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
212
الآداب الشرعية والمنح المرعية
المرأة هل يجب عليها ستر وجهها ، أو يجب غض البصر عنها ؟ أو في المسألة قولان . قال القاضي عياض في حديث جرير رضي اللّه عنه قال : سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن نظر الفجأة فأمرني أن أصرف بصري . رواه مسلم " 1 " . قال العلماء رحمهم اللّه تعالى : وفي هذا حجة على أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها وإنما ذلك سنة مستحبة لها ، ويجب على الرجل غض البصر عنها في جميع الأحوال إلا لغرض صحيح شرعي . ذكره الشيخ محي الدين النواوي ولم يزد عليه ، وقال في المغني عقيب إنكار عمر رضي اللّه عنه على الأمة التستر وقوله : إنما القناع للحرائر . قال ولو كان نظر ذلك محرما لما منع من ستره بل أمر به ، وكذلك احتج هو وغيره على الأصحاب وغيرهم بقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم " 2 " : " إذا كان لإحداكن مكاتب فملك ما يؤدي فلتحتجب منه " . وقال الشيخ تقي الدين : وكشف النساء وجوههن بحيث يراهن الأجانب غير جائز ، ولمن اختار هذا أن يقول حديث جرير لا حجة فيه لأنه إنما فيه وقوعه . ولا يلزم منه جوازه ، فعلى هذا هل يشرع الإنكار ؟ ينبني على الإنكار في مسائل الخلاف وقد تقدم الكلام فيه . فأما على قولنا وقول جماعة من الشافعية وغيرهم أن النظر إلى الأجنبية جائز من غير شهوة ولا خلوة فلا ينبغي أن يسوغ الإنكار . فصل في الإنكار بداعي الرّيبة وظن المنكر والتجسس لذلك نص أحمد رضي اللّه عنه فيمن رأى إناء يرى أن فيه مسكرا أنه يدعه ، يعني لا يفتشه ، ترجم عليه الخلال ( ما يكره أن يفتش إذا استراب به ) وقطع القاضي في المعتمد أنه لا يجوز إنكار المنكر إذا ظن وقوعه ، وحكى عن بعضهم أنه يجب ، واختار ابن المنذر وغيره من الأئمة أن الميت إذا نيح عليه يعذب إذا لم يوص بتركه وكان من عادة أهله النوح ، وهذا معنى اختيار الشيخ فخر الدين في التلخيص . قال الشيخ مجد الدين في شرح الهداية : وهو أصح الأقوال لأنه متى غلب على ظنه فعلهم له ولم يوص بتركه مع القدرة فقد رضي به فصار كتارك النهي
--> ( 1 ) رواه مسلم ( الآداب / 2159 ) . ( 2 ) رواه الترمذي ( 1234 ) وأبو داود ( 3928 ) وأحمد ( 6 / 289 ) والحاكم ( 2 / 219 ) وابن ماجة ( 2520 ) وابن حبان ( 4322 ) والبيهقي ( 10 / 375 ) وغيرهم . وقال الترمذي : " حديث حسن صحيح " . وقال الحاكم : " صحيح الإسناد " ووافقه الذهبي . وقد اتجه الشيخ الألباني إلى تضعيفه ، وانظر الإرواء ( 1769 ) .