محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
199
الآداب الشرعية والمنح المرعية
فأما آدم عليه السّلام فميت خارج عن دار التكليف وعن الحاجة إلى الزجر ، ففي القول إيذاء له وتخجيل بلا فائدة انتهى كلامه . وقال الشيخ تقي الدين رحمه اللّه : رحمه اللّه على موسى قال : لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة ؟ فلامه على المصيبة التي حصلت بسبب فعله لا لأجل كونها ذنبا ولهذا احتج عليه آدم عليه السّلام بالقدر ، وأما كونه لأجل الذنب كما يظنه طوائف من الناس فليس مرادا بالحديث فإن آدم عليه السّلام كان قد تاب من الذنب والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ، ولا يجوز لوم التائب باتفاق الناس ، وأيضا فإن آدم عليه السّلام احتج بالقدر وليس لأحد أن يحتج بالقدر على الذنب باتفاق المسلمين وسائر أهل الملل وسائر العقلاء . وقال أيضا في كتاب الفرقان وهذا الحديث قد ضلت به طائفتان طائفة كذبت به لما ظنوا أنه يقتضي رفع الذم والعقاب عمن عصى اللّه عز وجل لأجل القدر ، وطائفة شر من هؤلاء جعلوه حجة لأهل الحقيقة الذين شهدوه أو الذين لا يرون أن لهم فعلا . ومن الناس من قال : إنما حجه لأنه أبوه أو لأنه قد تاب أو لأن الذنب كان في شريعة واللوم في أخرى أو لأن هذا يكون في الدنيا دون الآخرة ، وكل هذا باطل ولكن وجه الحديث أن موسى عليه السّلام لم يلم إياه إلا لأجل المصيبة التي لحقتهم من أجل أكله من الشجرة ، فقال : لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة ، لم يلمه لمجرد كونه أذنب ذنبا وتاب منه فإن موسى يعلم أن التائب من الذنب لا يلام ولو كان آدم يعتقد رفع الملام عنه لأجل القدر لم يقل : رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [ سورة الأعراف : الآية 23 ] . والمؤمن مأمور عند المصائب أن يصبر ويسلم ، وعند الذنوب أن يستغفر ويتوب ، قال تعالى : فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [ سورة غافر : الآية 55 ] . فأمره بالصبر على المصائب والاستغفار من المعائب انتهى كلامه وهو وكلام غيره يدل على أن الذنب الماضي يلام صاحبه وينكر عليه إذا لم يتب وقد تقدم ذكر الذي في شرح مسلم . ونص الإمام أحمد رضي اللّه عنه في رواية عبد اللّه والمروذي وأبي طالب وغيرهم في الطنبور ووعاء الخمر وأشباه ذلك يكون مغطى لا نعرض له ونص في رواية إسحاق ومحمد بن أبي حرب أيضا على أنه ينكره ويتلفه . وقال أبو الحسين : هل يجب إنكار المغطى على روايتين أصحهما يجب لأنا تحققنا المنكر ( والثانية ) لا يجب كأهل الذمة إذا أظهروا الخمر أنكر عليهم وإذا ستروه لم يتعرض لهم وكذا في الترغيب أنه يجب في أصح الروايتين . وفي معتقد ابن عقيل ولا يكشف من المعاصي ما لم يظهر وكذا قال ابن الجوزي من تستر بالمعصية في داره وأغلق بابه لم يجز أن يتجسس