محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
189
الآداب الشرعية والمنح المرعية
والمروي عن ابن عباس في الآية : إلا أن يدعو المظلوم على من ظلمه فإن اللّه تعالى قد أرخص له . وعن الحسن والسدي إلا أن ينتصر المظلوم من ظالمه . وعن مجاهد أن يخبر المظلوم بظلم من ظلمه . وعنه أيضا إلا أن يجهر الضيف بذم من يضيفه . وقرأ عبد اللّه بن عمرو وجماعة من التابعين بفتح الظاء . قال ثعلب : هي مردودة على ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ ؟ [ سورة النساء : الآية 147 ] إلا من ظلم . وقيل : المعنى إلا أن يجهر الظالم بالسوء ظلما . وقيل إلا أن يجهروا بالسوء للظالم . فعلى هذا الاستثناء منقطع ومعناه لكن المظلوم يجوز له أن يجهر لظالمه بالسوء ولكن يجهر بالسوء واجهروا له بالسوء . وقال ابن زيد : من ظلم أي أقام على النفاق فيجهر له بالسوء حتى ينزع ذكر ذلك ابن الجوزي ومن ذلك قول هند للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم إن أبا سفيان رجل شحيح " 1 " . وقول الحضرمي أو الكندي للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما قال : " لك يمينه " فقال يا رسول اللّه إنه رجل فاجر لا يبالي " 2 " ، قال في شرح مسلم : وفيه إن أحد الخصمين إذا قال لصاحبه إنه ظالم أو فاجر أو نحوه يحتمل ذلك منه وما قاله ظاهر ، وظاهر كلام أصحابنا وغيرهم يؤاخذ بذلك ويتأول الخبر . وروى أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم عن الشريد مرفوعا " 3 " " لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته " قال أحمد : قال وكيع : عرضه شكايته وعقوبته حبسه ، ولعل من هذا ما جرى بين العباس وعلي لما تحاكما في ذلك إلى عمر رضي اللّه عنه فكان كل منهما متأولا معذورا في قوله للآخر : فإنه أشكل على جماعة حتى أسقطه بعضهم من الحديث وهو في الصحيحين " 4 " ولذلك لم ينكر عمر وعثمان وسعد والزبير وعبد الرحمن ما قيل لكن كان القول في الوجه ، وقد تقدم كلام الإمام أحمد في الاستعانة بالجيران وغيرهم على إزالة المنكر وفي الخبر الصحيح المشهور " خير دور الأنصار بنو فلان " " 5 " الحديث ، قال في شرح مسلم فيه جواز تفضيل القبائل والأشخاص بغير مجازفة ولا هوى ولا يكون هذا غيبة . وهذا صحيح وهو كثير في كلام أحمد وغيره من الأئمة . وليست الغيرة عذرا في غيبة ونحوها في ظاهر كلام أحمد والأصحاب لعموم الأدلة
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 2460 ) ومسلم ( الأقضية / 1714 ) . ( 2 ) رواه مسلم ( الإيمان / 139 ) . ( 3 ) رواه أحمد ( 4 / 222 ، 388 ، 389 ) وأبو داود ( 3628 ) والنسائي ( 7 / 316 - 317 ) والبيهقي ( 6 / 51 ) والحاكم ( 4 / 102 ) وغيرهم وعلقه البخاري في " صحيحه " ( 5 / 61 ) في الاستعراض باب لصاحب الحق مقال ، فقال . ويذكر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : " ليّ الواجد يحلّ عقوبته وعرضه ) . قال الحاكم : " صحيح الإسناد " ووافقه الذهبي . وحسنه الشيخ الألباني . وانظر الإرواء ( 5 / 259 ) . ( 4 ) رواه البخاري ( 4033 ) ومسلم ( 1757 ) . ( 5 ) رواه البخاري ( 3789 ) ومسلم ( فضائل الصحابة / 2511 ) .