محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
141
الآداب الشرعية والمنح المرعية
وقال أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه : من الملوك من إذا ملك زهده اللّه عز وجل فيما في يديه ، ورغبه فيما في يد غيره ، وأشرب قلبه الإشفاق على من عنده ، فهو يحسد على القليل ويتسخط الكثير ومن كلام الفرس : لا ملك إلا برجال ، ولا رجال إلا بمال ، ولا مال إلا بعمارة ، ولا عمارة إلا بعدل . ومن كلامهم أيضا الملك الذي يأخذ أموال رعيته ويجحف بهم مثل من يأخذ الطين من أصول حيطانه فيطين به سطوحه فيوشك أن تقع عليه السطوح . ومن كلام أرسطو طاليس العالم بستان سياجه الدولة ، الدولة سلطان تحيا به السنة ، السنة سياسة ، السياسة يسوسها الملك ، الملك راع يعضده الجيش ، الجيش أعوان يكلفهم المال ، المال رزق تجمعه الرعية ، الرعية عبيد يتعبدهم العدل ، العدل مألوف وهو صلاح العالم . كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج أن صف لي الفتنة حتى كأني أراها رأى العين . فكتب له لو كنت شاعرا لوصفتها لك في شعري ولكني أصفها لك بمبلغ علمي ورأيي : الفتنة تلقح بالنجوى ، وتنتج بالشكوى ، فلما قرأ كتابه قال : إن ذلك لكما وصفت فخذ من قبلك من الجماعة واعطهم عطايا الفرقة ، واستعن عليهم بالفاقة . فإنها نعم العون على الطاعة . فأخبر بذلك أبو جعفر المنصور فلم يزل عليه حتى مضى لسبيله . لما أراد عمرو المسير إلى مصر قال لمعاوية رضي اللّه عنهما : يا أمير المؤمنين إني أريد أن أوصيك ، قال : أجل فأوصني ، قال : انظر فاقة الأحرار فاعمل في سدها ، وطغيان السفلة فاعمل في قمعها ، واستوحش من الكريم الجائع واللئيم الشبعان ، فإنما يصول الكريم إذا جاع ، واللئيم إذا شبع . قال بعض الحكماء : الرعية للملك كالروح للجسد ، فإذا ذهب الروح فني الجسد . قال الإسكندر لأرستطاليس : أوصني ، قال : انظر من كان له عبيد فأحسن سياستهم فوله الجند ، ومن كانت له ضيعة فأحسن تدبيرها فوله الخراج ، وقال بعض الحكماء : لا تصغر أمر من جاءك يحاربك ، فإنك إن ظفرت لم تحمد ، وإن عجزت لم تعذر . وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم " 1 " : " صنفان من أمتي إذا صلحا صلح الناس الأمراء والعلماء " وفي خبر آخر عن موسى عليه السّلام " . قال علامة رضا اللّه تعالى عن عباده أن يستعمل عليهم خيارهم ؛ وأن ينزل عليهم الغيث في أوانه ، وعلامة سخطه أن يولي عليهم شرارهم وينزل عليهم الغيث في غير أوانه . كتب عامل إلى عمر بن عبد العزيز إن مدينتنا قد احتاجت إلى مرمة فكتب إليه عمر حصن مدينتك بالعدل ونق طرقها من المظالم .
--> ( 1 ) موضوع . رواه أبو نعيم في " الحلية " ( 4 / 96 ) وابن عبد البر في " جامع بيان العلم " ( 1 / 184 ) وتمام في " الفوائد " ( 238 / 1 ) وقد حكم عليه الشيخ الألباني كما قلت . فانظر في الضعيفة ( 1 / 75 ) .