محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

11

الآداب الشرعية والمنح المرعية

فلم يجعل لهم ريبا عند المحن التي تقلقل الإيمان في القلوب ، والريب يكون في علم القلب وعمله ، بخلاف الشك فإنه لا يكون إلا في العلم فلهذا لا يوصف باليقين إلا من اطمأن قلبه علما وعملا ، وإلا فإذا كان عالما بالحق ولكن المصيبة أو الخوف أورثه جزعا عظيما لم يكن صاحب يقين . وذكر الشيخ وجيه الدين من أصحابنا في شرح الهداية أنه يجوز البكاء على الميت إذا تجرد عن فعل محرم من ندب ونياحة وتسخط بقضاء اللّه وقدره المحتوم ، والجزع الذي يناقض الانقياد والاستسلام له ، وقال ابن الجوزي في آخر كلامه في قوله تعالى : يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ [ سورة يوسف : الآية 84 ] . قال : وروي عن الحسن أن أخاه مات فجزع الحسن جزعا شديدا فعوتب في ذلك فقال : ما سمعت اللّه عاب على يعقوب عليه السّلام الحزن حيث قال : يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ [ سورة يوسف : الآية 84 ] . وذكر الشيخ تقي الدين في التحفة العراقية : أن البكاء على الميت على وجه الرحمة مستحب وذلك لا ينافي الرضا بقضاء اللّه ، بخلاف البكاء عليه لفوات حظه منه ، وبهذا يعرف معنى قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما بكى على الميت وقال : " هذه رحمة جعلها اللّه في قلوب عباده " " 1 " وإن هذا ليس كبكاء من يبكي لحظة لا لرحمة الميت ، وأن الفضيل لما مات ابنه ضحك وقال : رأيت أن اللّه قد قضى فأحببت أن أرضى بما قضى اللّه به ، حاله حال حسن بالنسبة إلى أهل الجزع ، فأما رحمة الميت والرضا بالقضاء وحمد اللّه كحال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فهذا أكمل . وقال في الفرقان : والصبر واجب باتفاق العقلاء ثم ذكر في الرضا قولين ثم قال : وأعلى من ذلك أن يشكر اللّه على المصيبة لما يرى من إنعام اللّه عليه بها ، ولا يلزم العاصي الرضا بلعنه ولا المعاقب الرضا بعقابه ، قال بعضهم : المؤمن يصبر على البلاء ولا يصبر على العافية إلا صديق . وقال عبد الرحمن بن عوف : ابتلينا بالضراء فصبرنا وابتلينا بالسراء فلم نصبر ، وقال أبو الفرج بن الجوزي : الرجل كل الرجل من يصبر على العافية وهذا الصبر متصل بالشكر فلا يتم إلا بالقيام بحق الشكر ، وإنما كان الصبر على السراء شديدا لأنه مقرون بالقدرة ، والجائع عند غيبة الطعام أقدر منه على الصبر عند حضور الطعام اللذيذ .

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 1284 ) ومسلم ( الجنائز / 11 ) .