العز بن عبد السلام

42

شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال ( ويليه الشجرة في الوعظ )

الصفات ظهرت آثار تلك الصفة وأينعت أثمارها ، فإن كشف عن سعة الرحمة أثمرت الرجاء ، وإن كشف عن شدة النقمة أثمرت الخوف ، وإن كشف عن الجلال أثمر التعظيم والإجلال ، وإن كشف عن الجمال أثمر المحبة المختصة بالجمال ، وإن كشف عن التفرد بالأفعال أثمر التوكل على ذي الجود والإفضال ، وإن كشف عن جميع الصفات ذهبت الأكوان ؛ لامتلاء القلب بنور الرحمن وعظمة الديان . فما هو إلا أن أراها فجأة * فأبهت لا عرف لدي ولا نكر وكنت أرى في وجه مية لمحة * فأبرق مغشيا علي مكانيا وإذ أفنى صواحب يوسف بن يعقوب ملاحظة جماله ، فما الظن بملاحظة جمال مقلب القلوب وعلام الغيوب ؟ فلا تطمئن أيها المغرور ، إن آدم أكل من الشجرة ، وإن يعقوب بكى على يوسف ، وإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بكى على إبراهيم في حال تحديق أحد منهم إلى شيء من هذه الصفات ، وإنما يقع ذلك وأمثاله منهم في أحوال الغفلات عن ( ق 14 - أ ) ملاحظة الصفات ، فقد عرفنا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم / كان إذا نزل عليه الوحي تربد وجهه " 1 " ، وعرق جبينه " 2 " ، " وغط غطيط البكر " " 3 " ، لا يتصور منه حينئذ أكل ولا شرب ، ولا حزن ولا بكاء ؛ لامتلاء قلبه بثقل ما نزل عليه ، وعظم ما أوحي إليه . فائدة : من أفضل التخلقات أن تحسن إلى عباد اللّه بمثل ما أحسن به إليه ، وأن تنعم عليهم بمثل ما أنعم به عليك ، قال اللّه تعالى : فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ [ الضحى : 9 ] ، أي : عامل السائل بمثل ما عاملناك ، فإنا وجدناك عائلا فأغنيناك : وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [ الضحى : 11 ] ، أي : حدثهم بما أنعمنا به عليك من هدايتنا لك فإنا وجدناك ضالا فهديناك . * * * *

--> ( 1 ) رواه مسلم ( 1690 ، 4 / 1817 ) ، ( 2334 ) عن عبادة بن الصامت مرفوعا . ( 2 ) رواه البخاري ( 5 / 32 ) ، ومسلم ( 2333 ) عن عائشة - رضي اللّه عنها - مرفوعا . ( 3 ) رواه مسلم ( 1180 ) عن يعلى بن أمية مرفوعا .