العز بن عبد السلام
367
شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال ( ويليه الشجرة في الوعظ )
وتارة يطوف بك على ندمان حضرته ، ويحملك على رفرف رأفته سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ [ الإسراء : 1 ] . وتارة يشهدك جمال أحديته ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى [ النجم : 11 ] . وتارة يشهدك جمال صمدانيته ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى [ النجم : 17 ] . وتارة يطلعك على سرائر ملكوتيته فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى [ النجم : 10 ] . وتارة يدليك من حضرته قربه فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى [ النجم : 9 ] . يا محمد ، هذا أوان الظمآن إليه ، واللهفان عليه ، والمتحير فيه ، لا أدري من أي جهة آتيه ، جعلني أعظم خلقه ، فكنت : أعظمهم وأشدهم خوفا منه . يا محمد : خلقني يوم خلقني ، فكنت أرعد من هيبة جلاله ، فكتب على قائمتي : " لا إله إلا اللّه " فازددت لهيبة اسمه ارتعادا وارتعاشا . فلما كتب عليّ " محمد رسول اللّه " سكن لذلك قلقي ، وهدأ روعي ، فكان اسمك أمانا لقلبي ، وطمأنينة لسري ، ورقية لقلقي . فهذه بركة وضع اسمك عليّ ، فكيف إذا وقع جميل نظرك إليّ . يا محمد : أنت المرسل رحمة للعالمين ، ولا بدّ لي من نصيب في هذه الليلة ، ونصيبي من ذلك أن تشهد لي بالبراءة من النار ، مما نسبه إليّ أهل الزور ، وتقوّله عليّ أهل الغرور ، فإنه أخطأ في قوم فضلوا ، وظنوا أني أسع من لا حدّ له ، وأحمل من لا هيئة له ، وأحيط بمن لا كيفية له . يا محمد من لا حدّ لذاته ، ولا عدّ لصفاته ، فكيف يكون مفتقرا إليّ أو محمولا عليّ ، فإذا كان الرحمن اسمه ، ولا الاستواء صفته ونعته ، وصفته ونعته متصلان بذاته فكيف يتصل بي أو ينفصل عني ؟ ولا أنا منه ولا هو مني . يا محمد ، وعزته لست بالقرب منه وصلا ، ولا بالبعد عنه فصلا ، ولا بالمطيق له حملا ، ولا بالجامع له شملا ، ولا بالواجد له مثلا . بل أوجدني من رحمته : منّة وفضلا ، ولو محقني لكان فضلا منه وعدلا .