العز بن عبد السلام
363
شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال ( ويليه الشجرة في الوعظ )
يا جبريل : وكيف يطيق حيوان ضعيف أن يحمل من يحمل أثقال محبته ، ورواسي معرفته ، وأسرار أمانته التي عجزت عن حملها السماوات والأرض والجبال . يا جبريل : وكيف تطيق أن تدل بي ، وأنت الحائر عند سدرة المنتهى . وقد انتهى إلى حضرة ليس لها منتهى ! ؟ [ يا جبريل : أين أنت مني وأنا أظل عند ربي يطعمني ويسقيني ] " 1 " . يا جبريل : أين أنت مني ، ولي وقت لا يسعني فيه غير ربي . " 2 " . يا جبريل إذا كان محبوبي ليس كمثله شيء ، فأنا لست كأحدكم ، المركب يقطع به المسافات ، والدليل يستدل به على الجهات ، والجهات إنما هي محل الحدثات ، وأنا حبيي مقدس عن الجهات ، منزه عن الحادثات ، لا يوصل إليه بالحركات ، ولا يستدل عليه بالإشارات ، فمن عرف المعاني : عرف ما أعاني ، علم أن قربي منه مثل قاب قوسين أو أدنى [ منه قربي ، في بيت أم هانئ ] " 3 " . فوقعت هيئة الوقت على جبريل ، فقال : " يا محمد إنما جيء بي إليك ، لأكون خادم دولتك ، وصاحب حاشيتك ، وجيء بالمركب إليك ؛ لإظهار كرامتك " . لأن الملوك من عاداتهم إذا استزاروا حبيبا ، أو استدعوا قريبا ، وأرادوا ظهور كرامتهم واحترامهم ، أرسلوا أخص خدامهم ، وأعز ذويهم ، لنقل أقدامهم ، فجئناك على رسم عادة الملوك ، وآداب السلوك . ومن اعتقد أنه - سبحانه وتعالى - يوصل إليه بالخطأ : وقع في الخطأ . ومن ظن أنه محجوب بالغطاء ، فقد حرم العطاء . يا محمد : إن الملأ الأعلى في انتظارك ، والجنان قد فتحت أبوابها ، وزخرفت رحابها ،
--> ( 1 ) ما بين [ ] زيادة وسقط من ( ع ) . ( 2 ) ما بين [ ] زيادة وسقط من ( ع ) . ( 3 ) هذا الكلام يدفع شبهة القول بالاتحاد والحلول ، وهو من البدع المستنكرة شرعا وذوقا على بعض المتوصفة القائلين بها .