العز بن عبد السلام

359

شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال ( ويليه الشجرة في الوعظ )

إلى قوله تعالى : مِصْباحٌ [ النور : 35 ] ، يعني : مصباح نور نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقد جعله مصباح مشكاة الوجود ، فشبه الكون بالمشكاة ، وسيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بالزجاجة ، والنور الذي هو قبله بالمصباح ، فأشرق نور باطنه على ظاهره ، كإشراق المصباح في الزجاجة ، فصار نور المصباح نارا ، والزجاجة نورا لصفائها ، فصار نورا وكان حظ كل مخلوق من ذلك بحسب قربه منه واتباعه له ، والدخول في شيعته ، والعمل بشريعته ، وهو معنى قوله تعالى : نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ [ الزخرف : 11 ] ، فشبه اللّه تعالى حبيبه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم بالماء النازل من السماء بقدر ؛ لأن الماء حياة كل شيء ، وكذلك كان نوره صلّى اللّه عليه وسلّم حياة كل قلب ، ووجوده رحمة لكل شيء . ثم بين انتفاع الناس بنوره ، وما نالهم من بركته صلّى اللّه عليه وسلّم بالأدوية فجعل القلوب أودية ، منها : الكبير ، والصغير ، والجليل ، والحقير . فاحتمل كل قلب على قدر وسعه ومقدار مادته من الماء ، وتطرق السيل إليه قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ [ البقرة : 60 ] ، ثم شبه جسمانيته بالزبد الرابي ، المحتمل على وجه الماء الصافي ، وهو مرباه الظاهر ، من : الأكل والشرب والنكاح ، ومشاركة الناس في أفعالهم وأحوالهم ، فذلك كله يذهب ويتلاشى وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ [ الرعد : 17 ] ، من نبوته ، ورسالته ، وحكمته ، وعلمه ، ومعرفته ، وشفاعته فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [ الرعد : 17 ] . واعلم أنه إنما كانت حكمة خلقه كذلك ، أنه خلق من لطيف وكثيف ، ليكون كامل الخلق ، كامل الوصف ، خلقه اللّه تعالى من ضدين : جسماني وروحاني ، فجعل جسمانيته وبشريته لملاقاة البشر ، ومقايسات الصور ، فجعل له قوة يلاقي بها البشر ، فيعدهم بمادة بشريته ، فيكون معهم بهم ، فيكون بهم لهم إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [ فصلت : 6 ] ، يجانسهم ويشاكلهم ، لأنه لو برز إليهم في هيئة روحانية ملكية نورانية ، لما أطاقوا مقابلته ، وما استطاعوا مقاومته ، فلذلك من اللّه تعالى بقوله : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [ التوبة : 128 ] . ثم جعل له قوة وروحانية يقابل بها عالم الروحانيين ، وملكوت العلوين ، ليكون تام البركة ، تام الرحمة .