العز بن عبد السلام
357
شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال ( ويليه الشجرة في الوعظ )
فلما ثبت أصله ، ونبت فرعه : ناداه متولي سياسته فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ [ هود : 112 ] ، فكانت صفته صلّى اللّه عليه وسلّم الاستقامة ، ومقامه دار المقامة . فلما استقام : رحل عن الكونين . ولما أقام : نقل من مقام إلى مقام ، حتى استقر به المنزل فأقام . فالمقام الأول : مقام الوجود في الدنيا ، وهو قوله تعالى : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ [ المدثر : 1 - 2 ] . والمقام الثاني : المقام المحمود في الآخرة ، وهو قوله تعالى : عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [ الاسراء : 79 ] . والمقام الثالث : مقام الخلود في الجنة ، وهو قوله تعالى : الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ [ فاطر : 50 ] . والمقام الرابع : المقام المشهود ، مقام قاب قوسين لرؤية المعبود ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى [ النجم : 8 ، 9 ] الآية ، فهو المخصوص بالدنو والعلو ، والشهود إذ كان هو المقصود من كل الوجود ، لأن الوجود لما كان شجرة ، كان هو ثمرتها ، وكان هو جوهرتها ، فالشجرة المثمرة إنما تثمر بالحبة التي ينبت بها أصلها ، فإذا غرست تلك الحبة ، وغذيت وربيت حتى نبتت وفرعت ، وأورقت ، [ وأزهرت ] " 1 " وأثمرت ، فإذا نظرت تلك الشجرة رأيتها في تلك الحبة التي نبتت منها هذه الشجرة ، فالحبة في البداية : نطفة حتى أظهرت صورة الشجرة . والشجرة في النهاية : بها ظهرت ، فأظهرت صورة تلك الحبة ، فكذلك بطونه صلّى اللّه عليه وسلّم بالمعنى في السابق واختفاؤه وظهوره في الصورة في اللاحق واشتهاره ، وهو معنى قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين " " 2 " ، فكان هو مظهر معنى هذه الشجرة ، وهو مظهر صورته صلّى اللّه عليه وسلّم ، فما برح بلسان القدم مذكورا ، وفي طي العدم منشورا .
--> ( 1 ) في ( ش ، ع ) واهتزّت . ( 2 ) تقدم تخريجه .