العز بن عبد السلام

346

شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال ( ويليه الشجرة في الوعظ )

تحصيل العلوم الصادرة ، بمنزلة الساحة على باب القلب ، والنفس يشرع منه بابان إليهما . فما صدر عن القلب من خير ، أو عن النفس من شر ، فهو محصل في الصدر ، وعنه يصدر إلى الجوارح ، وهو معنى قوله تعالى : وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ [ العاديات : 10 ] ، وجعل القلب بمنزلة العرش ؛ لأن عرشه في السماء معروف ، وعرشه في الأرض مسكون ؛ لأن عرش القلوب أفضل من عرش السماء ، لأن ذلك العرش لا يسعه ولا يحمله ولا يدركه ، وهذا عرش في كل حين ينظر إليه ، ويتجلى عليه ، وينزل من سماء كرمه إليه " ما وسعتني سماواتي ولا أرضي ، ووسعني قلب عبدي المؤمن " " 1 " . ولما جعل في عالم الآخرة جنة ونارا للنعيم والعذاب ، هذه خزانة الخير ، وهذه خزانة الشر ، كذلك جعل الخير الذي هو مكان سويداء القلب ، جعله جنة عبده المؤمن ؛ لأنه محل المشاهدة والتجلي والمناجاة ، والمنازلات ، ومنبع الأنوار . وجعل النفس بمنزلة الإناء ؛ لأنها منبع الشر ، ومحل الوسواس ، ومربع الشيطان ومحل الظلمة . ثم جعل اللوح والقلم : نسخة كتاب الكون والتكوين ، وما كان وما يكون إلى يوم الدين ، وجعل الملائكة تستنسخ ما يؤمرون بنسخه ، من محو وإثبات ، وموت وحياة ، ونقص وزيادة . فكذلك اللسان بمنزلة القلم ، والصدر بمنزلة اللوح فما نطق به اللسان ، رقمته الأذهان في ألواح الصدور ، وما أرخته إرادة القلب إلى الصدر عبّر عنه اللسان ، كالترجمان . ثم جعل الحواس رسل القلب ، يستنسخ ما حصل فيها فالسمع رسول ، وهو جاسوسه ، والبصر رسول ، وهو حارسه ، واللسان رسول ، وهو ترجمانه . ثم جعل في الإنسان ما هو دلالة على الربوبية ، وتصديق الرسالة المحمدية ، وذلك الهيكل الإنساني ، لما افتقر إلى مدبر ، وهو الروح ، وكان مدبره واحدا ، وكانت الروح

--> ( 1 ) أورده الغزالي في " إحياء علوم الدين " ( 2 / 317 ) .