العز بن عبد السلام

339

شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال ( ويليه الشجرة في الوعظ )

الزقوم ، وبرد نسيم القرب ، يمازج حر السموم ، وظل سماء الوصل متصل ب ظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ [ الواقعة : 43 ] ، وقد تناول كل حظه المقسوم . فواحد يشرب بكأسه المختوم . وواحد يشرب بكأسه المحتوم . وواحد من بينهم محروم . فلما برزت أطفال الوجود ، من حضرة العدم ، هبّت عليهم نسمات القدرة ، وغذتها لطائف الحكمة ، وأمطرتها سحائب الإرادة ، بعجائب الصنع ، فأنبت كل غصن منها ما سبق له في القدم ، وركب في عنصره من الصحة والسقم . والكون كله من عنصرين ، مستخرجين من جزءين من كلمة " كن " وهما : الظلمة والنور . فالخير كله من النور . والشر كله من الظلمة . فملأ الملائكة موجود من عنصر النور " 1 " ، فكان منهم الخير لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [ التحريم : 6 ] ، يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ [ الأنبياء : 20 ] . وملأ الشياطين من عنصر الظلمة ، فكان منهم الشر . وأما آدم وبنوه ، فإنهم جعلت طينتهم من الظلمة والنور ، وركب عنصره من الخير والشر ، والنفع والضر ، وجعلت ذاته قابلة للمعرفة والنكرة ، فأي جوهر غلب عليه نسب إليه . فإن علا جوهر نوره على جوهر الظلمة ، وظهرت روحانيته على جسمانيته ، فقد فضّل على الشيطان . فلما [ خلق ] " 2 " اللّه آدم من قبضة تراب " كن " ، مسح على ظهره حَتَّى يَمِيزَ

--> ( 1 ) مصداقا لقول النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - : " خلقت الملائكة من نور ، وخلق الجانّ من مارج من نار ، وخلق آدم مما وصف لكم " رواه مسلم ( 2996 ) . ( 2 ) في ( ع ) قبض بدل خلق .