العز بن عبد السلام
333
شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال ( ويليه الشجرة في الوعظ )
وظهر جوهر النون " نون النكرة ، ونون المعرفة " ، فلما أبرزهم من كنّ العدم على حكم مراد القدم ورشّ عليهم من نوره ، فأما من أصابه ذلك النور فحدق " 1 " إلى تمثال شجرة الكون المستخرجة من حبة " كن " ، فلاح له في سر كافها تمثال - كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ - واتضح له في شرح لونها أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [ الزمر : 22 ] . وأما من أخطأه ذلك النور ، فطولب بكشف المعنى المقصود من حرف " كن " فغلط في هجائه وخاب في رجائه ، فنظر إلى مثال كن ، فظن أنها كاف كفرية ، بنون نكرة ، فكان من الكافرين . وكان حظ كل مخلوق من كلمة " كن " : ما علم من هجاء حروفها ، وما شهد من سرائر خفائها ، دليله قوله صلّى اللّه عليه وسلّم " إن اللّه خلق خلقه في ظلمة ، ثم رش عليهم من نوره ، فمن أصابه ذلك النور اهتدى ، ومن أخطأه ذلك النور ضل وغوى " " 2 " . فلما نظر آدم إلى دائرة الوجود ، فوجد كل موجود دائرا في دائرة الكون : واحد من نار ، وواحد من طين . ثم رأى هذه الدائرة على سرائر " كن " ، فكيفما دار واستدار ، وحيثما طار واستطار ، فإليها يؤول ، وعليها يجول ، ولا يزول عنها ولا يحول . فواحد شهد كاف الكمالية ، ونون المعرفة . وواحد شهد ، كاف الكفرية ، ونون النكرة . فهو على حكم ما شهد ، راجع إلى نقطة دائرة " كن " . وليس للمكوّن أن يجاوز ما أراده المكوّن . فإذا نظرت إلى اختلاف أغصان شجرة الكون ، وتنوع ثمارها ، علمت أن أصل
--> ( 1 ) أي : نظر بإمعان وتبصّر . ( 2 ) حديث صحيح : رواه الإمام أحمد في " المسند " ، والترمذي في " سننه " ، والحاكم في " المستدرك " عن ابن عمر مرفوعا كما في " الجامع الصغير " للسيوطي ( 1 / 70 ) .