العز بن عبد السلام

323

شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال ( ويليه الشجرة في الوعظ )

الأصلح ، وإنما لم ينكر عليه ، لأنه لم يرتكب محرما فإنه لا يلزمه تقليد من قال بالتحريم ولا بالإيجاب ، ولا يلزم العامي التزام مذهب معين ؛ فإن الناس في زمن الصحابة رضي اللّه عنهم إلى أن ظهرت المذاهب لم يزالوا يقلدون العلماء في الوقائع المختلف فيها من غير التزام لمفت معين ، ولم ينكر ذلك أحد من العلماء ولم يقل أحد من المفتين لمن استفتاه إذا استفتيتني فلا تسأل غيري ؛ وهذا مما نعلمه بالضرورة ، ولا بأس بإرشاد العامي إلى ما هو الأحوط في دينه ، ولا بمناظرة المجتهد ليرجع إلى الدليل الراجح ، واختلاف العلماء رحمة ، وعلى هذا فلا يجوز الإنكار إلا لمن علم أن الفعل الذي ينهى عنه مجمع على تحريمه ، وأن الفعل الذي يأمر به مجمع على إيجابه ، ونعني بالنهي عن الإنكار أن لا ينكره إنكار الحرام ولو أنكر إنكار الإرشاد أو أمر به أمر النصح والإرشاد فذاك نصح وإحسان ، ولا يجب الإنكار على من يعلم أن الإنكار لا ينجع فيه ، بل هو محبوب ؛ لما فيه من نصح المسلم ، فإن قدر على إزالته بيده لزمه ذلك ، إلا أن يخاف على نفسه فسقط الوجوب ويبقى الاستحباب ؛ لأن المخاطرة بالنفوس في إعزاز الدين مشروعة ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم : " أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر " " 1 " ، جعلها أفضل الجهاد ؛ لأن المنكر قد بذل نفسه بحيث لا يقدر على تخليصها بخلاف المجاهد فإنه يتوقع أن يقتل قرنه ويخلص فلم يكن بذله لنفسه كبذل المنكر على السلطان الجائر . / وفقنا اللّه للإقبال على طاعته والكف عن معصيته ، وجعلنا من أنصار ملته ( ق 108 - أ ) الآخذين بهدي رسوله وسيرته وأخلاقه وسنته - وصلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وعترته - والحمد للّه على إنعامه ومننه . تم كتاب " شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال " بحمد اللّه وعونه . وحسبنا اللّه تعالى ونعم الوكيل .

--> ( 1 ) رواه الإمام أحمد ( 3 / 19 ، 61 ) ، وأبو داود ( 4344 ) ، والترمذي ( 2174 ) ، وابن ماجة ( 4011 ) عن أبي سعيد الخدري ، وقال عيسى : هذا حديث غريب ، ورواه الإمام أحمد ( 5 / 251 ، 256 ) ، وابن ماجة ( 4012 ) ، والطبراني في الكبير ( 8080 ، 8081 ) ، عن أبي أمامة ، ورواه الإمام أحمد ( 4 / 315 ) ، والنسائي ( 7 / 161 ) عن طارق بن شهاب .