العز بن عبد السلام

263

شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال ( ويليه الشجرة في الوعظ )

يكون الشكر بالقلب واللسان وبجميع الطاعات ؛ ولذلك قال : اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً [ سبأ : 13 ] ، و " لما قام عليه السّلام حتى تورمت قدماه قيل له : أتكلف هذا وقد غفر لك / ما تقدم من ذنبك ؟ فقال : أفلا أكون عبدا شكورا " " 1 " ، جعل الاجتهاد والنصب ( ق 86 - أ ) في قيام الليل من جملة الشكر " 2 " .

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 1130 ) ، ومسلم ( 2819 ) عن المغيرة بن شعبة ، ورواه البخاري أيضا ( 4837 ) ، ومسلم ( 2820 ) عن عائشة - رضي اللّه عنها - مرفوعا . ( 2 ) قال حجة الإسلام أبو حامد الغزالي : " اعلم أن الشكر من جملة مقامات السالكين ، وهو أيضا ينتظم من علم وحال وعمل . فالعلم هو الأصل فيورث الحال ، والحال يورث العمل . فأما العلم : فهو معرفة النعمة من المنعم ، والحال هو الفرح الحاصل بإنعامه . والعمل : هو القيام بما هو مقصود المنعم ومحبوبه ، ويتعلق ذلك العمل بالقلب والجوارح واللسان ، ولا بد من بيان جميع ذلك ليحصل بمجموعه الإحاطة بحقيقة الشكر . فالأصل الأول : العلم ، وهو علم بثلاثة أمور : بعين النعمة ، ووجه كونها نعمة في حقه ، وبذات المنعم ووجود صفاته التي يتم الإنعام منه عليه . والأصل الثاني : الحال المستمدة من أصل المعرفة ، وهو الفرح بالمنعم مع هيئة الخضوع والتواضع ، وهو أيضا في نفسه شكر على تجرده ، كما أن المعرفة شكر ، ولكن إنما يكون شكرا إذا كان حاويا شرطه ، وشرطه أن يكون فرحك بالمنعم لا بالنعمة ولا بالإنعام . الأصل الثالث : العمل بموجب الفرح الحاصل من معرفة المنعم ، وهذا العمل يتعلّق بالقلب واللسان والجوارح ، أما بالقلب : فقصد الخير وإضماره لكافة الخلق ، وأما باللسان : فإظهار الشكر للّه تعالى بالتحميدات الدالة عليه ، وأما الجوارح : فاستعمال نعم اللّه تعالى في طاعته ، والتوقّي من الاستعانة بها على معصيته ، حتى أن شكر العينين ، أن تستر كل عيب تراه لمسلم ، وشكر الأذنين : أن تستر كل عيب تسمعه فيه ، فيدخل هذا في جملة شكر نعم اللّه تعالى ، وهو مأمور به . فأما قول من قال : إن الشكر هو الاعتراف مع بعض أحوال القلب ، وقول من قال : إن الشكر هو الثناء على المحسن بذكر إحسانه نظر إلى مجرد عمل اللسان ، وقول القائل : إن الشكر هو الاعتكاف على بساط الشهود بإدامة حفظ الحرمة ، جامع لأكثر معاني الشكر ، لا يشذ منه إلا عمل اللسان . . ( تهذيب الإحياء : 432 ، 433 ) .