العز بن عبد السلام
113
شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال ( ويليه الشجرة في الوعظ )
إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ ق : 18 ] ، وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ [ القمر : 52 ] ، ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها [ الكهف : 49 ] ، وقد دخلت النار امرأة في هرة ربطتها ولم تطعمها حتى ماتت ، وغفر لبغي بسقية كلب ، ولآخر بإزالة غصن شوك عن طريق المسلمين وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ [ الأنبياء : 47 ] . فصل في فضل ما يبذل من المنافع والأعيان وفي العفو والصبر فضائل الأعمال تتفاوت بتفاوت ما تجلبه من نفع أو تدفعه من ضر ، فالمعرفة والإيمان أفضل الأعمال لأن مصلحتهما أكمل المصالح ، والجهل باللّه والكفر أكبر الكبائر ؛ لأن مفسدتهما أعظم المفاسد ، وتفاوت مراتب الوسائل بتفاوت مراتب المقاصد ، والدعاء إلى الإيمان أفضل أمر بالمعروف ، والنهي عن الكفر أفضل نهي عن المنكر ، وإراقة الخمر والنهي عن شربها وسيلة إلى حفظ العقول ، والأمر بالعفو عن القصاص وسيلة إلى حفظ الأعضاء والمنافع والأرواح ، وعلى هذا تترتب جميع المقاصد والوسائل ، ويشرف الإصلاح بين الناس بشرف المبذول ، فتعريف الإيمان أفضل من كل مبذول ، ويتفاوت شرف الدفع بتفاوت قبح المدفوع ، فإزالة الشبه الموجبة للكفر والشك أفضل من كل دفع ؛ إذ لا مدفوع أقبح من الكفر باللّه والشك فيه ، وإطعام المضطر أولى من إطعام المحتاج ، وتعظيم رتب الحلم والعفو والصفح والغفر بعظم الذنب ، والعفو عن أعظم الذنوب / في أفضل رتب العفو ، وكذلك الحلم وغيره ، ( ق 36 - أ ) وكذلك تفاوت مراتب الصبر بتفاوت رتب المصبور عنه وعليه ، والصبر عن أعظم الشهوات في أعلى مراتب الصبر عما يصبر عنه ، والصبر على أشق العبادات وأعظم البليات في أعلى رتب الصبر على ما يصبر عليه ، والاعتبار في ذلك كله بعظم المصالح والمفاسد في المقاصد والوسائل . فصل في الإحسان المتعدي أمر اللّه سبحانه وتعالى بالعدل والإحسان وبالمساعدة عليهما ، ونهى عن كل إثم وعدوان وعن المعاضدة عليهما ، مرغبا في قليل الخير وكثيره ، ومرهبا من جليل الشر