مؤلف مجهول

90

كتاب في الأخلاق والعرفان

والمسكن ولا يزهد في الرّئاسة « 1 » ، وليس للشّيطان سلاح أنفذ في العبد من حبّ الرّئاسة والميل إليها ، فإنّ الخلق حجاب عن الحقّ ، وما رأيت عالما رشيدا ولا عبدا منيبا ولا عاقلا لبيبا إلّا وكان أكثر كلامه تزهيد إخوانه في الرّئاسة ؛ لأنّها سبب الكبر ومحلّ البلاء ، ولم يجر على آل الرّسول عليهم السّلام من الظّلم والتّشديد والقهر والتّشريد من أعدائهم إلّا بحبّ الرّئاسة ، فليتدبّر العاقل من نفسه وليتفكّر في عاقبته وليلزم طاعة ربّه ، فإنّها سبب الرّحمة ومفتاح الجنّة ، وبها بقاء النّعمة والخروج من المحنة ، والبشرى عند الموت والنّور في القبر والرّكوب في المحشر والنجاة من الحساب وثقل الميزان وشفاعة المصطفى والسّبق على الصّراط والنّجاة من النّار ودخول الجنّة والرّفعة في الدّرجات والزّيادة في الكرامات . والمعصية سبب اللعنة ومفتاح العقوبة والوقوع في المحنة ، وبها زوال النّعمة وحلول النّقمة وكرب الموت وحسرة الفوت وضيق القبر والعمى في المحشر وشدّة الحساب وخفّة الميزان وحرمان الشّفاعة والحيرة في الظّلمة وفوت الجنان ودخول النيران والتّسفّل في الدّركات والزّيادة في العقوبات . قال اللّه تعالى : عبدي ، إن لم تفعل أمري فلا تأكل من رزقي ، وإن عصيتني فأخرج من ملكي ، وإن لم ترض بقضائي فالتمس غافرا غيري . واعلم أنّه لو اجتمع أهل السّماء والأرض على الطّاعة ما زادت في ملك الملك القديم ذرّة واحدة ، ولو اجتمعوا على معصيته ما انتقص من ملكه ذرّة واحدة ؛ لأنّه ملك غنيّ لا ينفعه طاعة المطيعين ولا يضرّه معصية العاصين . قال اللّه تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وآله : قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا يعني أعرضوا عن الطّاعة فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ يعني من تبليغ الرّسالة وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ من قبولها وَإِنْ تُطِيعُوهُ في الدّنيا تَهْتَدُوا في الآخرة إلى الجنّة وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ « 2 » جعلنا اللّه وإيّاكم من المطيعين برحمته ، إنّه وليّ ذلك والقادر عليه .

--> ( 1 ) . كالخليفة الثاني . ( 2 ) . النّور : 54 .