مؤلف مجهول

82

كتاب في الأخلاق والعرفان

أبصر الشّمس ورأى القمر ونظر إلى الكواكب ، وما ابتلي به من محاجّات قومه ومناظرة اللعين نمرود ، وذبح الولد الرضيّ إسماعيل ، والدعوة إلى اللّه تعالى وتسليم النّفس إليه حيث القي في النّار ، والتوجّه إليه بالإخلاص ، وسائر ما أصابه من المحن ، فوفّى اللّه تعالى فيها قولا وعقدا وفعلا . فهذه الأشياء وسائرها من شرائعه وآثاره التي أمر اللّه تعالى باتّباعها . والحكمة في تخصيص الدعوة إليه أنّ العرب كانوا منتسبين إليه مفتخرين به دون سائر الرّسل ، والبيت من بنائه والزّمزم من آثار ولده ، وهو الّذي دعا للحرم بالأمن وللبيت بالطهارة ولذرّيّته بالعصمة ولسكّان مكّة بالبركة [ و ] لأنّ سيّد الرّسل كان دعوته حيث قال : رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ « 1 » ولأنّ اليهود والنّصارى كانوا من نسله ، والعجم كانوا متولّين له ؛ لأنّ ملوك العجم كان من أولاد يهودا بن يعقوب عليه السّلام ولأنّ اللّه تبارك وتعالى جعل في ذرّيّته النبوة والكتاب ، ولأنّه دعا اللّه تعالى بإبقاء ذكره واسمه فأعطاه اللّه ذلك وجعل كلمته باقية في عقبه ، ولأنّ الرسل كانوا أخلّاء اللّه وأولياءه ولم يختصّ باسم الخلّة أحد سواه ، ولأنّ العرب لم تجر فيهم الرّسل ولم يتولّوا سوى الخليل وأولاده ، لهذه العلل وغيرها أمر اللّه تعالى باتّباع ملّته . قال اللّه تعالى : إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ « 2 » فمدحه اللّه تعالى بالعقل والثّبات في الأمر وكظم الغيظ وكفّ الغضب وبسط الرضا والتضرّع إلى اللّه تعالى في ساعات الغفلة والدّعاء له في السّرّ والعلانية والتّأوّه في الشّوق والتوجّع من ألم الفراق ، وهو معنى الأوّاه ، والرّجوع إلى اللّه سبحانه في جميع الأحوال والاعتماد عليه في حصول الآمال والإخلاص له في مواطن الأعمال ، وهو معنى المنيب . وقد ذكره اللّه تعالى بالوفاء ، فقال : وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى « 3 » .

--> ( 1 ) . البقرة : 129 . ( 2 ) . هود : 75 . ( 3 ) . النّجم : 37 .