مؤلف مجهول

273

كتاب في الأخلاق والعرفان

والخوف سجنهم ، والليل فكرتهم والنّهار عبرتهم ، والحكمة سيفهم والحقّ حارسهم ، والحياة مرحلهم والموت منزلهم ، والقبر حصنهم ويوم القيامة عيدهم ، وفي ظلّ العرش مجلسهم والفردوس مسكنهم ، والنّبيّون رفقاؤهم . وذكر عن ذي النّون بن إبراهيم المصريّ قال : بينا أنا سائر على شاطئ النّيل إذ سمعت تغطغط « 1 » اليمّ وتلاطم الأمواج فهالني ذلك ورجعت إلى ورائي فإذا أنا بغلام قد نحل جسمه ودقّ عظمه ورقّ جلده وقد اتّزر بمئزر الحياء وتوشّح بوشاح المراقبة ، وإذا بيده عكّازة عليها مكتوب : من كانت همّته الدّنيا ليعمرها * فسوف يوما على رغم يخلّيها لا دار بعد الموت يسكنها * إلّا لمن كان قبل الموت بانيها فإن بناها بخير كان مغتبطا * وإن بناها بشرّ خاب بانيها « 2 » فقلت : السّلام عليك يا أبا عبد اللّه . قال : وعليك السّلام يا ذا النّون المصريّ . قلت له : حبيبي من أين عرفتني ولم ترني ولم أرك ؟ قال لي : يا بطّال عرفت روحي لروحك بفسخ رتق عميق أنس المحبّة فخرقت المحبّة عمق آماق أحداق القلوب فعرفتك بمعرفة الجبّار . فعلمت أنّ الغلام حكيم ، فقلت له : متى يستوجب العبد الولاية ؟ قال : إذا نشر عليه ثوب العناية وقدّر بسيف الكفاية وعقد له رايات بنور تلك الهداية ، فيالها من ولاية ما أهنأها من ولاية . ثمّ ولّى عنّي وأنشأ يقول : حبّ عبد بحبّ مولاه * إذا خلا بالجليل لبّاه قد كشف الحجب عن بواطنه * فنور مولاه قد تغشّاه قد ادّعى حبّه فأحزنه * كفى بذي العبد صدق دعواه

--> ( 1 ) . تغطغط البحر : علت أمواجه واشتدّت . ( 2 ) . وفي الشعر المنسوب إلى أمير المؤمنين علي عليه السّلام : النفس تبكي على الدنيا وقد علمت * إنّ السلامة فيها ترك ما فيها لا دار للمرء بعد الموت يسكنها * إلّا التي كان قبل الموت بانيها فإن بناها بخير طاب مسكنها * وإن بناها بشرّ خاب بانيها إلى آخر الأبيات ، انظر الديوان المنسوب إليه وكتاب أنوار العقول من أشعار وصيّ الرسول للكيدري .