مؤلف مجهول

200

كتاب في الأخلاق والعرفان

وسئل بعضهم : ما بال المرضى يحمدون الأطبّاء إذا أخبروهم من دائهم والجهّال يذمّون العقلاء إذا كشفوا لهم عن بواطن عيوبهم ؟ قال : لأنّ المرضى يرون فراق دائهم سلامة وغنيمة ، والجهّال يرون ترك شهواتهم وعيوبهم رزيّة ومصيبة . وسئل : ما بال المريض أرغب في طلب الدّواء إلى الأطبّاء لإصلاح الطبائع من أهل الذّنوب إلى مواعظ الحكماء لإصلاح القلوب ؟ قال : لأنّ المريض لألم الدّاء أوجد من صاحب الذّنوب لألم العقوبة . وقيل : العالم طبيب الدّين والعلم دواؤه والمال داؤه ، فإذا رأيت الطبيب يجرّ الداء إلى نفسه فاعلم أنّه لا منفعة في دوائه . ونظر بعض المتعنّتين إلى عالم من المتقدّمين ، فقال : غير تقيّ يأمرني بالتّقى كطبيب يداوي المريض والطبيب مريض . وغير تقيّ يأمر النّاس بالتّقى * طبيب يداوي الناس وهو عليل « 1 » فأجابه العالم : اعمل بعلمي ولا تنظر إلى عملي ، ينفعك علمي ولا يضرّك تقصيري . وذكروا أنّ موسى بن عمران عليه السّلام شكا إلى ربّه ، فقال : يا ربّ ، أنا غريب أنا مريض أنا فقير . فأوحى اللّه إليه : يا موسى ، أتدري من الغريب [ والمريض والفقير ؟ ] الغريب من ليس له مثلي حبيب ، والمريض من ليس له مثلي طبيب ، والفقير الّذي ليس بيني وبينه معرفة « 2 » . وإنّ اللّه تعالى ابتلى الأطبّاء بعلل عجزوا عن تداويها دلالة على أنّ الشّفاء من غيره وأنّ على العبد أن يتوكّل عليه عند العلل ويثق به في الصّحة والمرض ، ولا ينساه في العافية ويدعوه في البلاء ففي المعرض عن ربّه الآبق من سيّده الهارب من مولاه ، قال اللّه تعالى : وَإِذا أَنْعَمْنا

--> ( 1 ) . في الأصل مكان المصرع الثّاني : كطبيب يداوي والطّبيب عليل ! ( 2 ) . راجع نهج البلاغة : كتاب 31 وعيون الحكم والمواعظ : 46 وعدّة الدّاعي : 107 .