مؤلف مجهول

169

كتاب في الأخلاق والعرفان

وكرسيّ الشيء : المتلبّد بعضه فوق بعض ، مثل أبعار الإبل . ومنه الكراسة ، وهو الشيء المجتمع والحروف المجموعة ، يدلّ عليه قول الشّاعر : يا صالح هل تعرف رسما مكرسا * قال نعم أعرفه وأبلسا « 1 » وسئل محمّد بن الحنفيّة رضى اللّه عنه عن الكرسيّ ، فقال : فلك البروج . فمن جعله فلك البروج جعل العرش فلك الكلّ أو فلك الأفلاك . وذهبت المشبّهة إلى أنّ العرش موضع التّدبير والتّقدير ، والكرسيّ موضع التجلّي والزّيارة ، وذكروا أنّ اللّه ينزل من العرش إلى الكرسيّ فيتجلّي للخلق ويقضي بينهم ! وإنّما قالوا ذلك لآثار نقلت عن الرّسول عليه السّلام في هذا المعنى ، ولو عرفوها لما ضلّوا ؛ معناها أنّ اللّه يتجلّى للخلق من طريق العلم بإقامة الأدلّة كما بيّنّا في معنى الكرسيّ ليس أنّه ينتقل من مكان إلى مكان . ورأيت لبعضهم أنّ العرش مظهر الرّبّ والكعبة معلمه ، فدعا اللّه العباد إلى مظهره بقلوبهم وإلى معلمه بأبدانهم . وقال أرباب القلوب - خصوصا جنيد قدّس اللّه روحه - : القلب هو العرش ، والصّدر هو الكرسي ، وهذا [ أصحّ ] الوجوه و [ أقومها ] وأحسنها و . . « 2 » . ومنهم من قال : اللّه متمكّن على العرش وقدماه على الكرسيّ ! جلّ القديم عن صفات المخلوقين ونعوت المربوبين وسمات المحدثين . واعلم أنّ من اعتقد القديم جسما متمكّنا على مكان ، وأثبت له وجها وعينا ويدا وقدمين ، واعتقده نازلا منتقلا من مكان إلى مكان متحرّكا ، فقد اعتقد مصوّرا مخلوقا ، واللّه خالق الصّور والأجسام ومحدث الجواهر والأعراض ومبدع الأماكن والأزمان ، لا تصوّره الأوهام ولا يحيط به الأفهام ، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير « 3 » .

--> ( 1 ) . راجع التّبيان للطوسي : 2 / 309 ، وقائل البيت : العجاج . ( 2 ) . هنا كلمة لا تقرأ . ( 3 ) . الأنعام : 103 .