مؤلف مجهول
131
كتاب في الأخلاق والعرفان
ثمّ معرفة الأغذية والأدوية ليقتصر على ما هو أقرب إليه نفعا وأبعد منه ضررا ، ويصل بقوّة تلك المعارف إلى ما فيه صلاح دينه وقوّة جسمه واعتدال طبعه واستقامة أسبابه . واعلم أنّ أوّل أحوال العارفين التحيّر عند المشيئة . ثمّ الافتقار إلى الرّحمة . ثمّ الاحتقار في العظمة . ثمّ الاعتبار بالأدلّة . ثمّ الاصطبار على البليّة . ثمّ الاضطرار عند القدرة . ثمّ التّحيّر ؛ وهي الحالة الّتي تورد عليه الخرس والعمى والبكم حتّى كأنّه ميّت انقطاعا إلى اللّه وولها عليه ، فجفّت أوصافه ونفدت أنفاسه . سروره ممزوج بحزنه ، وحزنه ممزوج بسروره ، له حنين الثّكلى وأنين المرضى . ولقد قلت في بعض كلامي : علامة العارفين عشرة أشياء : أوّلها : انبساط القربة مع هيبة الربوبيّة . والثّاني : جهد العبادة مع رؤية المنّة . والثّالث : حياء المراقبة مع يقين المشاهدة . والرّابع : صدق الإرادة مع حسن المعاملة . والخامس : حسن الظّنّ مع وفاء العبوديّة . والسّادس : ترك الدّنيا على موافقة السّنّة . والسّابع : خوف القطيعة مع طمع الوصلة . والثّامن : صفاء الهمّة مع استقامة الطّاعة . والتّاسع : كمال الفتوّة مع تمام المروّة . والعاشر : أدب الخدمة مع انس الصّحبة . وقيل : مثل المعرفة في القلب كمثل شجرة نابتة في أرض سبخة ؛ ساقها اليقين ، وأغصانها التّوكّل ، وأوراقها الشّوق ، وثمرها المحبّة . فالطّاعة للسّبخة طينها ، والذّكر