مؤلف مجهول

101

كتاب في الأخلاق والعرفان

القلوب ستر العيوب في الثرى « 1 » عن الخطرات إذا خطرت عرف أنّ اللّه خالقها وهو توحيد الاعتقاد ، فما أحاطت به الأفهام كان معلوم العين وما أدركته الأوهام كان موهوم القلب والمعلوم والموهوم شيء ، وقد قال اللّه عزّ ذكره : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ « 2 » . فإذا استكمل صاحبه معرفة التّوحيد على هذه الأصول فذاك موحّد صادق ، وإذا انتقص له شيء من هذه الوجوه فهو موحّد لمعرفته أنّ اللّه واحد إلّا أنّه كاذب في دعوى الحقيقة بمقدار ما حرم من حقائق التّوحيد ، ويكون توحيده إقرار التّجريد ، ومن هذه الجهة وقع التّباين والتّفاضل في المنازل والدّرجات وهي على ثلاثة مراتب : تجريد وتفريد وتوحيد . فإذا أقرّ ولم يعتقد كان مجرّدا ، وإذا اعتقد مع الإقرار كان مفرّدا ، وإذا عمل بعد الإقرار والاعتقاد كان موحّدا على الحقيقة . ولن يبلغ العبد درجة التّوحيد إلّا بعد النّظر في الأدلّة المؤدّية إلى معرفة الباري من حدث العالم وعجائب الصّنع وآثار القدرة واختلاف الأفعال من إبداع اللغات والهيئات والمناظر وانتظام التّدبير واتّساق التقدير وتركيب الطّبايع وإتقان الصّنع ورفع السّماوات وبسط الأرضين وإجراء الأفلاك وتزيينها بالكواكب وتسخير الرّياح وتركيب السّحاب وتفجير الأنهار وتسجير البحار وتنوير الظلم وإيضاح البهم وتحريك الموضوع وتفريق المجموع ونقض العزم وحلّ العقد وتحسين الصّور ومحو الأثر وقهر المنى وضعف الأركان وتحويل الحالات وظهور الآيات مع سائر الأدلّة على الواحد القديم الفرد الحكيم ، قال اللّه جلّ من قائل : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ « 3 » وقال : وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ « 4 » .

--> ( 1 ) . كذا في الأصل . ( 2 ) . الشّورى : 11 . ( 3 ) . فصّلت : 53 . ( 4 ) . الذّاريات : 21 .