ابن الجوزي

68

كتاب ذم الهوى

صواني النثار من جميع الجنة . أخبرنا عبد الرحمن بن محمد ، قال : أنبأنا أبو بكر الخطيب ، قال : أنبأنا ابن رزق ، قال : أنبأنا إبراهيم بن محمد المزكي ، قال : أنبأنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج ، قال : سمعت محمد بن سهل بن عسكر ، يقول : سمعت عبد الرزاق يقول : بعث أبو جعفر الخشّابين حين خرج إلى مكة ، فقال : إن رأيتم سفيان الثوري فاصلبوه . قال : فجاء النجارون ونصبوا الخشب ، ونودي سفيان ، وإذا رأسه في حجر الفضل ، ورجلاه في حجر ابن عيينة . قال : فقالوا له : يا أبا عبد اللّه اتّق اللّه ولا تشمت بنا الأعداء . قال : فتقدّم إلى الأستار ثم أخذها ، ثم قال : برئت منه إن دخلها أبو جعفر . قال : فمات قبل أن يدخل مكة . فأخبر بذلك سفيان فلم يقل شيئا . فتلمّح يا أخي أثر خلاف الهوى ، كيف بان في مقام « لو أقسم » « 1 » ! وميّز ما بين إذلال المطيع وذلّ العاصي . وقد سمعت أنّ عمر لما جاءه منكر ونكير جذب بذاؤبة هذا وذؤابة هذا ، وقال : من ربّكما ؟ ! « 2 » ولولا انقباض يده عن الهوى ما انبسطت إلى منكر ونكير . وقد قال بعض الحكماء : ظاهر التقوى شرف الدنيا ، وباطنها شرف الآخرة . واعلم أنك إذا عكست هذه الحال في حقّ موافق الهوى والنفس ، رأيت الذلّ ملازما والجاه منكسرا ، وكذلك الأمر عند المخلوقين في الأمرين جميعا ، فإنه من عرف عندهم بقهر الهوى عظّم ، ومن نبز بأنه مقهور الهوى أهين ، فالعجب من سكرة ذي الهوى ، كيف غلبت عليه فلما أفاق لم ير غير اللوائم .

--> ( 1 ) يشير إلى قول الرسول : ربّ أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على اللّه لأبرّه . ( 2 ) هذا مما وضعه المهوّلون ، وهو لا يعقل .