ابن الجوزي

569

كتاب ذم الهوى

الماء فدفنا . وقد رويت لنا هذه الحكاية على وجه آخر . أخبرتنا شهدة بنت أحمد ، قال : أنبأنا جعفر بن أحمد السراج ، قال : أنبأنا الحسن بن علي الجوهري ، قال : أنبأنا محمد بن العباس ، قال : حدثنا محمد بن أحمد الكاتب ، قال : حدثنا ميمون بن هارون الكاتب ، قال : حدثني عبد الرحمن بن إسحاق القاضي ، قال : انحدرت من سر من رأى مع محمد بن إبراهيم أخي إسحاق ، ودجلة تزخر من كثرة مائها ، فلما أن سرنا ساعة ، قال : ارفوا بنا . ثم دعا بطعامه فأكلنا ثم قال : ما ترى في النبيذ ؟ قلت له : أعز اللّه الأمير هذه دجلة قد جاءت بمدّ عظيم يرعب مثله ، وبينك وبين منزلك مبيت ليلة ، فلو شئت أخّرّته ، قال : لابد لي من الشراب ، فضربت ستارة ، واندفعت مغينة فغنت ، ثم اندفعت أخرى فغنت : يا رحمتا للعاشقينا * ما إن أرى لهم معينا كم يشتمون ويضربون * ويهجرون فيصبرونا فقالت لها المغنية الأولى : فيصنعون ماذا ؟ قالت : يصنعون هكذا ، فرفعت الستارة وقذفت بنفسها في دجلة ، وكان بين يدي محمد غلام ذكر أن شراءه ألف دينار بيده مذبة لم أر أحسن منه ، فوضع المذبة وقذف بنفسه في دجلة ، وهو يقول : أنت التي غرقتني * بعد القضا لو تعلمينا فأراد الملاحون أن يطرحوا أنفسهم خلفها فصاح بهم محمد : دعوهما يغرقا إلى لعنة اللّه . قال : فرأيتهما قد خرجا من الماء معتنقين ثم غرقا ! .