ابن الجوزي
562
كتاب ذم الهوى
ثم عظم عليه الأمر في ليلته ، وامتنع النوم منه ، فلما بدا الصبح أنشأ يقول : يا صبح قد جئت على ياس * من عاشق مات بوسواس صبرا وتسليما لما قد قضى * ذو المنّ والطول على رأسي وكانت تنزل الكوفة فلما عزمت على الرحيل أنشأ يقول : جدّ الرحيل فكيف ويحك تصنع * أتراك تصبر أم إخالك تجزع يا بدر إنك قد شقيت بما ترى * كتب الإله عليك ما لا يدفع أبصرت عند البيت خودا غادة * ذهبت بعقلك فالرّقى لا تنفع ثم ارتحل معها إلى الكوفة ، فنزلت في قصر حاجب ، فكان يجلس بحذاء القصر ويقول : يا قصر حاجب قد أصبحت لي سجنا * لم يبق من فيك لي سمعا ولا بصرا يا قصر حاجب هل لي فيك من طمع * أم ذاك منك فدتك النفس قد عسرا اللّه يعلم أني ما ذكرتكم * إلا ترقرق ماء العين فانحدرا ونظر يوما إلى حمام على سطح القصر قد سقط إليه حمام ، فأنشأ يقول : قد بدا الصبح لي بشيء مليح * فرّج الكرب عن فؤاد قريح من حمام رأيته حين أوفى * فوق سطح يدعو بصوت فصيح فأتته حمامة فدنت منه دنوّا بغير أمر قبيح * فزجرت الحمام نفسي يقينا وزجرت الأخرى شقيقة روحي فاتصل خبره بها ، وكثر من يعذله على ما يلزمه نفسه من أمر هذه المرأة ، فأنشأ يقول : أيها العاذلون باللّه كفّوا * عن ملامي فقد خلعت العذارا لست واللّه قابلا من عذول * ما به في الهوى عليّ أشارا