ابن الجوزي

559

كتاب ذم الهوى

سأدعو دعوة المضطر ربّا * يثيب على الدّعاء ويستجيب لعل اللّه أن يكفيك حربا * ويجمعنا كما تهوى القلوب فضمّها المأمون إلى صدره وأنشأ متمثلا يقول : فيا حسنها إذ يغسل الدمع كحلها * وإذ هي تذري الدمع منها الأنامل صبيحة قالت في العتاب قتلتني * وقتلي بما قالت هناك تحاول ثم قال لخادمه : يا مسرور ! احتفظ بها وأكرم محلّها وأصلح لها كلّ ما تحتاج إليه من المقاصير والخدم والجواري إلى وقت رجوعي ، فلو لا ما قال الأخطل : قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهم * دون النساء ولو باتت بأطهار ثم خرج ، فلم يزل يتعاهدها ويصلح ما أمر به ، فاعتلت الجارية علة شديدة أشفق عليها منها ، وورد نعي المأمون ، فلما بلغها ذلك تنفّست الصعداء وماتت . أخبرتنا شهدة ، قالت : أنبأنا جعفر بن أحمد ، قال : أنبأنا القاضي أبو الطيب الطبري ، قال : سمعت أبا جعفر الموسائي العلوي يقول : حدثني محمد بن أحمد الرّصافي ، قال : قال لي عبد الملك بن محمد : إني خرجت من البصرة أريد الحج ، وإذا أنا بفتى نضو قد نهكه السّقام يقف على محمل محمل وهودج وهودج ، ويطّلع فيه ، فتعجّبت منه ومن فعله فقال : أحجّاج بيت اللّه في أيّ هودج * وفي أي خدر من خدوركم قلبي أأبقى أسير الحبّ في دار غربة * وحاديكم يحدو بقلبي في الرّكب فلم أزل أقف عليه حتى جاء المنزل فاستند إلى جدار ثم قال : خلّ فيض الدمع ينهمل * بان من تهواه فارتحلوا كلّ دمع صانه كلف * فهو يوم البين مبتذل قال : ثم تنفّس الصّعداء وشهق شهقة ، فحرّكته فإذا هو ميت .