ابن الجوزي

547

كتاب ذم الهوى

جده ، قال : حدثني مصدع بن غلاب الحميريّ ، وكان مخضرما ، قال : وأدركته وهو ابن ثمان عشرة ومئة سنة ، وما في وفرته « 1 » ولحيته بيضاء ، قال : حدّثني أبي غلّاب ، قال : كان بذمار « 2 » فتى من حمير يقال له : زرعة بن رقيم ، وكان جميلا شاعرا ، لا تراه امرأة إلا صبت إليه ، وكان في ظهر ذمار شيخ كثير المال له بنت تسمى مفدّاة بارعة الجمال حصيفة اللّب ، وكان زرعة يتحدث إليها ، وإنه خامره من حبّها ما غلب على عقله ، واحتجبت المفدّاة عنه ، فامتنع من الحركة والطعام ، فغبر بذلك حولا ، ثم مات عظيم من عظماء القبائل ، فبلغ زرعة أن المفدّاة في مأتم من ذلك المأتم ، فاحتمل حتى علا نشزا « 3 » ، ثم شهق فمات . فبلغ المفدّاة خبره ، فجاءت حتى وقفت عليه فهمّت أن تلقي نفسها عليه ، ثم تماسكت وبادرت خباءها فسقطت تائهة العقل تكلّم فلا تجيب ، فلما جنّ عليها الليل رفعت عقيرتها فقالت : بنفسي يا زرع بن أرقم لوعة * طويت عليها القلب والسرّ كاتم لئن لم أمت حزنا عليه فإنني * لألأم من نيطت عليه التّمائم لئن فتّني حيّا فليس بفائتي * جوارك ميتا حيث تبلى الرمائم ثم تنفّست نفسا أنبه من حولها ، فإذا هي ميتة ، فدفنت إلى جنبه . فقالت امرأة من حمير : وفيت لابن مالك بن أرطاه * كما وفت لزرعة المفدّاه واللّه لا خست به أو ألقاه * حيث يلاقي وامق من يهواه أنبأنا محمد بن عبد الباقي البزّاز ، قال : أنبأنا علي بن المحسّن التّنوخي ، قال :

--> ( 1 ) الوفرة : شعر الرأس المجتمع . ( 2 ) ذمار : قرية على مرحلتين من صنعاء . ( 3 ) النشز : المرتفع من الأرض .