ابن الجوزي

542

كتاب ذم الهوى

الدّيبلي قال : حدثنا أبو بكر بن دريد ، قال : حدثنا عبيد النّعالي غلام أبي الهذيل ، قال : انصرفت من جنازة وقت الهاجرة ، فتوخّيت سكة ظليلة ، فاضطجعت على باب دار ، فسمعت ترنما يجذب القلب ، فطرقت الباب واستسقيت ماء ، فإذا فتى ابتهرت بجماله إلا أن آثار العلة والسقم عليه بيّنة ، فأدخلني إلى خيش نظيف وفرش سري ، وجاءت وصيفة معها طست ومنديل ، فغسلت رجلي ، وجاءت أخرى بطست فغسلت يدي للطعام ، وأقبل الفتى ضاحكا ليؤنسني ، وأنا أعرف العبرة في عينيه ، وأقبل يأكل كأنه يغصّ بما يأكله ، وهو في ذلك ينشطني ، فلما انقضى أكلنا أتينا بشراب ، فشرب قدحا وشربت آخر ، ثم زفر زفرة ظننت أن أعضاءه قد انتقضت ، وقال لي : يا أخي إنّ لي نديما فقم بنا إليه . فقمت وتقدّمني فدخل مجلسا فإذا قبر عليه ثوب أخضر ، وفي البيت رمل مصبوب ، فقعد على الرمل وطرح لي مصلى ، فقلت : واللّه لا قعدت إلا كما تقعد . وأقبل يردد العبرات ثم شرب كأسا وشربت ، وأنشأ يقول : أطأ التراب وأنت رهن حفيرة * هالت يداي على صداك ترابها إني لأغدر من مشى إن لم أطأ * بجفون عيني ما حييت جنابها لو أن جمر جوانحي متلبس * بالنار أطفأ حرّها وأذابها ثم أكبّ على القبر مغشيا عليه ، فجاءه غلام بماء ، فصبّه على وجهه فأفاق فشرب ، وأنشأ يقول : اليوم ثاب لي السرور لأنني * أيقنت أنّي عاجلا بك لاحق فغدا أقاسمك البلى ويسوقني * طوعا إليك من المنية سائق ثم قال لي : قد وجب حقي عليك ، فاحضر غدا جنازتي : قلت : يطيل اللّه عمرك . قال : إني ميت لا محالة . فدعوت له بالبقاء ، فقال لقد عققتني ألا قلت : جاور خليلك مسعدا في رمسه * كيما ينالك في البلى ما ناله