ابن الجوزي

533

كتاب ذم الهوى

فقال : أحسن اللّه عن جميل القول جزاء كما ، وتولّى عني مكافأتكما . قلنا : وما تصنع في هذا المكان الذي أنت لغيره أهل ؟ . فقال : اللّه يعلم أنني كمد * لا أستطيع أبثّ ما أجد روحان لي روح تضمّنها * بلد وأخرى حازها بلد أما المقيمة ليس ينفعها * صبر وليس بقربها جلد وأظنّ غائبتي كشاهدتي * بمكانها تجد الذي أجد ثم التفت إلينا ، فقال : أحسنت ؟ قلنا : نعم . وولينا ، فقال : بأبي أنتم ما أسرع مللكم ، باللّه أعيروني أفهامكم وأذهانكم . قلنا : هات ، فقال : لمّا أناخوا قبيل الصبح عيسهم * ورحّلوها فسارت بالهوى الإبل وقلّبت من خلال السّجف ناظرها * ترنو إليّ ودمع العين منهمل فودعت ببنان عقده عنم * ناديت لا حملت رجلاك يا جمل ويلي من البين ماذا حلّ بي وبها * يا نازح الدار حلّ البين فارتحلوا يا راحل العيس عرّج كي أودّعها * يا راحل العيس في ترحالك الأجل إني على العهد لم أنقض مودّتكم * فليت شعري ، وطال العهد ، ما فعلوا فقلنا ، ولم نعلم بحقيقة ما وصف ، مجونا : ماتوا ، فقال : أقسمت عليكم ماتوا ؟ فقلنا : انظر ما تصنع ، نعم ماتوا . قال : إني واللّه ميت في إثرهم . ثم جذب نفسه في السلسلة جذبة دلع منها لسانه وندرت لها عيناه وانبعثت شفتاه بالدماء ، فتلبّط ساعة ثم مات . فلا أنسى ندامتنا على ما صنعنا ! . وقد رويت لنا هذه الحكاية على وجه آخر . فأخبرتنا شهدة ، قالت : أنبأنا جعفر بن أحمد ، قال : أنبأنا أبو علي الحسن بن محمد بن عيسى ، قال : أنبأنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن القاسم بن مرزوق ، قال : أنبأنا إبراهيم بن علي البغدادي ، قال : حدثنا محمد بن يحيى ، قال : حدثنا