ابن الجوزي

521

كتاب ذم الهوى

أبوا عليه بعثت إليه الجارية وكانت تحبه حبا شديدا : مرني بأمرك فو اللّه لأطيعنّك ، ولأنتهينّ إلى أمرك في كلّ ما أمرتني به . فأرسل إليها : عليك بطاعة اللّه فإنّ عليها المعوّل ، والسكون إليها ، وبطاعة من يملك رقّك فإنها مضمومة إلى طاعة ربك عز وجل ، ودعي الفكر في أمري لعل اللّه أن يجعل لنا فرجا يوما من الدهر ، فو اللّه ما كنت بالذي تطيب نفسي بنيل شيء أحبه أبدا في ملكي فأمنعه أمدّ يدي إليه حراما بغير ثمن ، ولكن أستعين باللّه على أمري ، فليكن هذا آخر رسلك إلي ، ولا تعودي ، فإني أكره واللّه أن يراني اللّه تعالى وأنا في قبضته ملتمسا أمرا يكرهه مني . فعليك بتقوى اللّه عز وجل فإنها عصمة لأهل طاعته ، وفيها سلوّ عن معصيته . قال : ثم لزم الاجتهاد الشديد ، ولبس الشعر وتوحّد ، فكان لا يدخل منزله إلا من ليل إلى ليل ، وهو مع ذلك مشغول القلب بذكرها ما يكاد يفارقه . فو اللّه ما زال الأمر به حتى قطعه ، فهو الآن ذاهب العقل واله في منزله . قال : ثم صرنا إلى الباب فاستأذنّا فأذن لنا . قال علي : فدخلت إلى دار قوراء سرّية ، وإذا أنا بشاب في وسط الدار على حصير متّزر بإزار مرتد بآخر . قال : فسلّمنا عليه فلم يردّ علينا السّلام ، فجلسنا إلى جنبه ، فإذا هو من أجمل من رأيت وجها ، وهو مطرق ينكت في الأرض ، ثم ينظر إلى ساعده ، ثم يتنفس الصعداء حتى أقول قد خرجت نفسه ، وهو مع ذلك كالخلال من شدة الضّرّ الذي به . قال : فالتفتّ فإذا أنا بوردة حمراء مشدودة في عضده . قال : فقلت لصاحبي : ما هذه ؟ فو اللّه ما رأيت العام وردا قبل هذا . فقال : أظن فلانة ، سماها ، بعثت بها إليه ، فلما سمّاها رفع رأسه فنظر إلينا ثم قال : جعلت من وردتها * تميمة في عضدي