ابن الجوزي
515
كتاب ذم الهوى
قال : وبعثت بها إليه ، وقالت للرسول : أخبريه بما تري من شدة الألم ، فلعلّ اللّه أن يسهّل أمره ويعطّف قلبه ، ولا تقصري في ترغيبه فيّ وما له في ذلك من الأجر ! . قال : فأتته المرأة فاستأذنت عليه ، فأذن لها ، فدخلت عليه فسلمت عليه ، وقالت : أيها الرجل ، إني قد حملت نفسي على أمر لم يكن من شأني ، غير أني تحملته رجاء الثواب وحسن الجزاء من اللّه عز وجل ، وإني أريد أن ألقي إليك أمرا لست أحب فيه مفارقة الحق ، فإني رأيت كل باطل عند الحق مضمحلّا ، وكلّ أمر يدعو إلى ضرر في الآخرة فاسدا . فقال : قولي أيتها المرأة ما بدا لك أن تقولي ، ودعي الإكثار ، فإنّ النهار يمضي والساعات تحصى . قال : فأقرأته الشعر وأخبرته بحالها . فقال : أيتها المرأة ، إن للّه محنا يمتحن بها عباده وأولياءه وأحباءه ، لينظر كيف طاعتهم له ، وكيف إيثارهم إياه عند اجتماع شهوات قلوبهم . وما أظن إلا أنّ اللّه ابتلاني بما ذكرت من أمر هذه المرأة ليمتحنني . وو اللّه مالي طاقة بمحن ربي إن لم يوفّقني ويثبتني . وو اللّه لمفارقة الأحبّة في مرضاته أحبّ إليّ من المقام معهم والاشتغال بما يقطعني عن خدمته والتحبب إليه . فأبلغيها عني السّلام ، وقولي لها : قد سمعت دعواك وما ذكرت ، وإني واللّه ما أنا براض عن نفسي في خدمة من إليه فقري وحاجتي . فكيف إذا علّقتها ببلاء لا يمكنني التخلص منه . قال : فخرجت المرأة من عنده ، فأتتها وأخبرتها بمقالته . فجعلت تبكي ، ثم قالت لها : فكيف كان إنصاته لكلامك حين أنشدته الشعر ؟ قالت : يا أختاه ، رأيت رجلا مزورّا مستوقرا ، كأنه قد نصب الآخرة بين عينيه . فهو ينظر إليها . فأبقي على نفسك ولا تهلكيها فتندمي حين لا تغني الندامة . قال : فلزمت منزلها وقالت : واللّه لا أخرج منه إلى موضع أبدا ، ولأجعلنّه