ابن الجوزي
508
كتاب ذم الهوى
قال الضّبيّ : عشق كامل بن الوضين امرأة عبد اللّه بن مسافر ابنة عمه ، فلم يزل به العشق حتى صار كالشّنّ البالي . فشكا أبوه إلى أبيها ما نزل بابنه ، فأمر فحمل إلى داره ليزوّجها منه ، ولم يعلم كامل بن الوضين ، فعلم فقال : وإن أسماء لتسمع كلامي ؟ قيل : نعم . فشهق شهقة وقضى مكانه . فقيل لها : مات بغصّة شجنه . قالت : واللّه لأموتن بمثلها ، ولقد كنت على زيارته قادرة ، فمنعني منها قبح ذكر الرّيبة . ومرضت . فلما اشتد بها المرض قالت لأشفق نسائها عليها : صوّري لي مثاله ، فإني أحبّ أن أزوره قبل موتي . ففعلت فلما وصلت الصورة اعتنقتها ، وشهقت فقضت . فطلب أبو الفتى إلى أبيها أن يدفنها بالقرب من قبر ابنه ففعل ، وكتب على قبريهما : بنفسي هما ، لم يمتعا بهواهما * على الدهر حتى غيّبا في المقابر أقاما على غير التّزاور برهة * فلما أصيبا قرّبا بالتزاور فيا حسن قبر زار قبرا يحبّه * ويا زورة جاءت بريب المقادر وبالإسناد قال : حدثنا محمد بن جعفر ، قال : حدثني أحمد بن عباس الصائغ ، قال : حدثني أحمد بن معاوية بن بكر الباهلي ، قال : حدثني رجل من بني عذرة ، قال : كان فينا فتى ظريف غزل ، وكان كثيرا ما يتحدث إلى النساء ، فهوي جارية من الحي ، فراسلها فأظهرت له جفوة ، فوقع مضنى مدنفا ، وظهر أمره ، وتبينت دنفه ، فلم يزل النساء من أهله وأهلها يكلّمونها فيه حتى أجابته فصارت إليه عائدة ومسلّمة ، فلما نظر إليهم تحدرت عيناه بالدموع ، وأنشأ يقول : أريتك إن مرّت عليك جنازتي * يلوح بها أيد طوال وشرّع أما تتبعين النعش حتى تسلّمي * على رمس ميت في الحفيرة مودع قال : فبكت رحمة له ، وقالت : ما ظننت أنّ الأمر بلغ بك هذا ، فو اللّه لأساعدنك ، ولأداومنّ على وصلك . فهملت عيناه بالدموع وأنشأ يقول :