ابن الجوزي

475

كتاب ذم الهوى

أنبأنا محمد بن عبد الباقي ، قال : أنبأنا علي بن المحسّن التنوخي ، عن أبيه ، قال : حدثني إبراهيم بن علي النّصيبي ، قال : حدثني أبو علي بن حامد بن أبي بكر بن أبي حامد ، قال : حدثني بعض أصحاب أبي ، قال : كان جدك أبو حامد ، وهو صاحب بيت المال إذ ذاك يتمشّى في دار الخلافة ، فينصرف وقد مضى ربع الليل ، وثلثه ، فيجلس في طياره ، ويصعد إلى داره ، ونحتاج نحن أن يكون لنا سفن مشاهرة ، فإذا ركب طياره ، نزّلنا نحن سفننا ، وكان برسمي ملاح على مرور الأوقات ، فلما كان ليلة من الليالي خرجت مع جدك ، فطلبت ملاحي فلم أجده ، فأخذني بعض أصحاب جدك في سميريته ، وبكرت من الغد فلم أعرف له خبرا ، وتمادى ذلك سنين . فلما كان بعد سنين رأيته في الكرخ بطيلسان ، ونعل طاق ، ورداء بزي التجار المياسير ، فقلت : فلان ؟ فحين رآني اضطرب ، فقلت : ويحك ! ما قصتك ؟ قال : خير ، فقلت : وما هذا الزي ؟ قال : تركت الملاحة وصرت تاجرا ، قلت : فرأس المال من أين لك ؟ فجهد أن يفلت ، فقلت : لا تطوّل عليّ ، واللّه لا افترقنا ، أو تخبرني خبرك ، ولم تركتني تلك الليلة ، ثم لم نرك إلى الآن ؟ فقال : على أن تستر عليّ ؟ فقلت : أفعل . فأحلفني فحلفت . قال : إنك أبطأت تلك الليلة ، وعرضت لي بولة فأصعدت من دار الخلافة إلى مشرعة بنهر معلّى ، فبلت ، وإذا برجل قد نزل ، فقال : احملني ، فقلت : أنا مع راكب لا يمكنني فراقه ، فقال : خذ مني دينارا واحملني . فلما سمعت ذكر الدينار طمعت ، وظننته هاربا ، فقلت : إلى أين أحملك ؟ فقال : إلى الدبّاغين ، فقلت : لا أحملك ، فقال : خذ دينارين ، فقلت : هات ، فأعطاني دينارين فجعلتهما في كمي ، وكان معه غلام ، فقال : امض وهات ما معك ، فمضى الغلام ، ولم يحتبس حتى جاء بامرأة ، لم أر قطّ أحسن وجها منها ، ولا ثيابا ، وجاء بجونة كبيرة حسنة وأطباق فاكهة ، وثلج ، ونبيذ ، وكانت ليلة مقمرة ، وجاء بعود فأخذته