ابن الجوزي
457
كتاب ذم الهوى
الدار ، وقيّدت الجارية ، فكانا على ذلك شهورا كثيرة ، وكان يخدمني غلام لي كالولد ، فتمت لولدي عليّ حيلة به ، يترسّل بينهما ، حتى أخذوا مني مالا جليلا وقماشا كثيرا ، وهربوا منذ سنين وعملوا على أخذ ذلك والهرب حيلة طويلة الشرح ، فلم أقف لهم على خبر ، وهان عليّ فقد المال لبعدهما ، فاسترحت منهما ، إلا أنّ نفسي كانت تحنّ إليهما ، فبلغني أنّ الغلام في بعض السكك منذ أيام ، فكبست عليه الدار ، فصعد إلى السطح ، فقلت له : باللّه عليك يا فلان ما فعل ولداي ، فقد قتلني الشوق إليهما وأنت آمن . فقال لي : عليك بدرب فتح في الجانب الغربي فسل عنهما هناك . ورمى نفسه إلى سطح آخر وهرب . وأنا أعرف بفلان من مياسير التجار بالجانب الشرقي . وأخذ يبكي ، وقال : تقفني على القبر ، فجئت به حتى وقفته على القبر ، ثم جاء فأدخلته داري فأريته الصبية ، فجعل يترشّفها ويبكي ، وأخذها ونهض ، فقلت : مكانك انقل متاعك ، قال : أنت في حلّ منه وسعة ، فما زلت أداريه إلى أن علقت به ، وقلت : خذ المال وأرحني من تبعته ، فقال : على شرط نقسمه بيني وبينك ، فقلت : واللّه لا تلبّست منه بحبة ، قال : فاطلب حمالين ، فجئت بهم فحمل تلك التركة والصبية وانصرف « 1 » .
--> ( 1 ) ما حمل ابن الجوزيّ على ذكر هذين الخبرين مع بشاعتهما إلّا رغبته في الاستيفاء والإحاطة بمقابح الهوى . ومثل هذا موجود في الآداب جميعا .