ابن الجوزي

456

كتاب ذم الهوى

وختمته ، وقلت هذا أمر لا بد أن يظهر له عاقبة ، وما كان ينبغي أن أمسّ من هذا المال والمتاع شيئا ، وكان جليلا يساوي ألوف دنانير ، وأحتسب النفقة على هذه الطفلة ، وأعدّها ملقوطة من الطريق ربّيتها للثواب . ففعلت ذلك ، فمضى على موت الغلام والجارية نحو سنة ، فإني لجالس على بابي يوما إذ اجتاز شيخ عليه أثر النّبل واليسار ، وتحته بغلة فارهة ، وبين يديه غلام أسود ، فسلّم ووقف وقال : ما اسم هذا الدرب ؟ فقلت : درب فتح . فقال : أنت من أهل الدرب ؟ قلت : نعم . قال : منذ كم سكنته ؟ قلت : منذ نشأت وإليّ ينسب وأكثره لي . فثنى رجله ونزل ، فقمت إليه وأكرمته ، فجلس تجاهي يحادثني ، وقال : لي حاجة . فقلت : قل . فقال : أتعرف في هذه الناحية إنسانا وافى منذ سنتين ، شاب من حاله وصفته ، فوصف الغلام ، واكترى هاهنا دارا ؟ فقلت : نعم ، قال : وما كانت قصته وإلى أي شيء انتهى أمره ، فقلت : ومن أنت منه حتى أخبرك ؟ قال : تخبرني ؟ فقلت : لا أفعل أو تصدقني . فقال : أنا أبوه ، فقصصت عليه القصة على أتمّ شرح ، فأجهش بالبكاء ، وقال : مصيبتي أني لا أقدر أن أترحّم عليه . فقدّرته يومىء إلى قتل نفسه ، فقلت : لعله ذهب عقله فقتل نفسه . فبكى وقال : ليس هذا أردت ، فأين الطفلة ؟ فقلت : عندي والمتاع . فقال : تعطيني الطفلة . فقلت : لا أفعل أو تصدقني . فقال : تعفيني . فقلت : أقسم عليك باللّه إلا فعلت . فقال : يا أخي مصائب الدنيا كثيرة ، ومنها أن ابني هذا نشأ ، فأدّبته وعلّمته ، ونشأت له أخت لم يكن ببغداد أحسن منها ، وكانت أصغر سنا منه ، فعشقها وعشقته ، ونحن لا نعلم ثم ظهر أمرهما ، فزجرتهما وأنكرت عليهما ، وانتهى الأمر إلى أن افترعها . فبلغني ذلك ، فضربته بالمقارع وإياها ، وكتمت خبرهما لئلا أفتضح ، ففرقت بينهما وحجرت عليهما ، وشدّدت عليهما أمهما مثل تشديدي ، فكانا يجتمعان على حيلة ، كالغريبان ، فبلغنا ذلك فأخرجت الغلام من