ابن الجوزي
454
كتاب ذم الهوى
أنبأنا محمد بن عبد الباقي البزّاز ، قال : أنبأنا أبو القاسم علي بن المحسّن التّنوخي ، عن أبيه ، قال : حدثني إبراهيم بن علي النّصيبي ، قال : حدثني أبو بكر النّحوي ، قال : حدثني أبو علي بن فتح ، قال : حدثني أبي ، قال : كنت سنة من السنين جالسا في دربي ، إذ دخل رجل شاب حسن الوجه والهيئة وعليه أثر نعمة ، فسأل عن دار فارغة يكتريها ، وكان أكثر الدرب لي ، فقمت معه إلى دار فيه كبيرة حسنة فارغة ، فأريته إياها ، فاستحسنها ووزن لي أجرتها لشهر ، وأخذ المفتاح ، فلما كان من غد جاء وجاء معه غلام ، ففتحا الباب وكنس الغلام الدار ورش ، وجلس هو ومضى الغلام ، وعاد بعد العصر ومعه عدة حمالين وامرأة ، فدخلوا الدار وأغلق الباب فما سمعنا لهم حركة ، وخرج الغلام قبل العشاء ، وبقي الرجل والمرأة في الدار ، فما فتحا الباب أياما ، ثم خرج إليّ في اليوم الرابع ، فقلت ويحك ، مالك ؟ فأوما إلى أنه مستتر من دين عليه ، وسألني أن أندب له رجلا يبتاع له كل يوم ما يريده دفعة واحدة ، ففعلت ، فكان يخرج في كل أسبوع فيزن دراهم كثيرة ، فيعطيها للغلام الذي نصبته له ليشتري له بها ما يكفيه لطول تلك الأيام من الخبز واللحم والفاكهة والنبيذ والأبقال ، ويصب الماء في الحباب الكثيرة التي قد أعدها لتلك الأيام ، ولا يفتح الباب أو ينقضي ذلك الزاد ، فكان على هذا سنة ، ولا يجيء إليه أحد ، ولا يخرج من عنده أحد ، ولا أراه أنا ولا غيري ، إلى أن جاء في ليلة وقت المغرب ، فدقّ بابي ، فخرجت ، فقلت : مالك ، فقال اعلم أنّ زوجتي قد ضربها الطلق ، فأغثني بقابلة ، وكان في داري قابلة لأم أولادي ، فحملتها إليه ، فأقامت عنده ليلتها ، فلما كان من الغد جاءتني فذكرت أن امرأته ولدت في الليل بنتا ، وأنها أصلحت أمورها ، وأن النفساء في حالة التلف . وعادت إليها ، فلما كان في وقت الظهيرة ماتت الجارية ،
--> - إن صحّت صورة من صور الانحلال الذي أصاب المجتمع القديم وأشاع فيه المآسي والأحداث . .