ابن الجوزي
452
كتاب ذم الهوى
نام أبوك ، فلما كان بعد أيام قالت لي : يا أمي قد واللّه حبلت من ابني ، فكيف الحيلة ، فقلت : لا أدري . فقالت : أنا أدري . ثم كانت تجتمع معك على سبيل الحيلة التي عرفتك ، إلى أن قاربت الولادة . فقالت لأبيك : إنها عليلة ، وقد خافت على نفسها التلف ، وإنها تريد أن تمضي إلى بيت أمها فتتعلّل هناك ، فأذن لها ومضت ، وقالت لأمها إنها عليلة ، فأدخلت وأنا معها في حجرة من دارها ، وجئنا بقابلة ، فلما ولدت قتلت ولدها ، وأخرجته فدفنته على حيلة وستر ، وأقامت أياما وعادت إلى منزلها ، فقالت لي بعد أيام : أريد ابني ، فقلت : ويحك ما كفاك ما مضى ؟ فقالت : لا بد ، فجئتك على تلك الحيلة بعينها ، فقالت لي من غد : قد واللّه حبلت ، وهذا واللّه سبب موتي وفضيحتي ، وأقامت تجتمع معك على سبيل الحيلة إلى أن قاربت الولادة ، فمضت إلى أمها وعملت كما عملت ، فولدت بنتا مليحة فلم تطب نفسها بقتلها وأخذتها أنا منها ليلا ، فأخرجتها إلى قوم ضعفاء لهم مولود ، فسلّمتها إليهم وأعطيتهم من مال أبيك دراهم كثيرة ووافقتهم على إرضاعها والقيام بها ، وأن أعطيهم في كل شهر شيئا بعينه ، وكانت تنفذه إليهم في كل شهر وتعطيهم ضعفه ، حتى تدلّل الصبية وتوفد إليها الثياب الناعمة ، فنشأت في دلال ونعمة ، وهي تراها في كل أيام إذا اشتاقتها ، وخطب أبوك عليك من النساء ، فتزوجت بزوجتك الفلانية ، فانقطع ما بينك وبينها ، وهي من أشدّ الناس عشقا لك وغيرة عليك من امرأتك ، ولا حيلة لها فيك . حتى بلغت الصبية تسع سنين ، فأظهرت أنها مملوكة قد اشترتها ونقلتها إلى دارها لتراها كلّ وقت لشدة محبتها لها ، والصبية لا تعلم أنها ابنتها ، وسمّتها باسم المماليك ، ونشأت الصبية من أحسن الناس وجها ، فعلّمتها الغناء بالعود فبرعت فيه ، وبلغت مبلغ النساء ، فقالت لي يوما : يا أمي هو ذا ترين شغفي بابنتي هذه ، وإنه لا يعلم أنها ابنتي غيرك ، ولا أقدر على إظهار أمرها ، وقد بلغت حدا إن لم أعلقها برجل خفت أن تخرج عن يدي ، وتلتمس الرجال وتلتمس البيع ، وتظن أنها مملوكة ، وإن منعتها تنغّص عيشها وعيشي ، وإن بعتها وفارقتها تلفت نفسي